يثق بقدرته وتمكنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم والهمم سريعة الانتقاض قلما تثبت، والله سبحانه يعاقب من فتح له بابا من الخير فلم ينتهزه، بأن يحول بين قلبه وإرادته، فلا يمكنه بعد من إرادته عقوبة له، فمن لم يستجب لله ورسوله إذا دعاه - حال بينه وبين قلبه وإرادته، فلا يمكنه الاستجابة بعد ذلك. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} الأنفال: 124. [1]
التعصب المذهبي
داء يسري في النفوس يحمل صاحبها على مخالفة الدليل من أجل مذهب درج عليه، فتراه ينافح عن قول إمامه ومذهبه وإن علم أن الحق بخلافه!. والأئمة الأربعة رحمهم الله، نصوا على الأخذ بالدليل وإن كان مخالفا لقولهم. وهذا من تعظيمهم رحمهم الله للأثر، وصرف أتباعهم إلى الأخذ بالدليل وأن يكونوا مع الدليل والحق حيثما دار. قال الإمام أبو حنيفة: (إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلى العين والرأس) . وقال الإمام مالك: (ما من أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك، إلا صاحب هذا القبر- وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم) . وقال الإمام الشافعي: (كل ما قلت، وكان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما يصح، فحديث النبي صلى الله عليه وسلم أولى، ولا تقلدوني) . وقال الإمام أحمد: (لا تكتبوا عني شيئا، ولا تقلدوني، ولا تقلدوا فلانا وفلانا - وفي رواية: مالكا، والشافعي، والأوزاعي، ولا الثوري - وخذوا من حيث أخذوا) . [ومع أن الأئمة نصوا على عدم تقليدهم، والأخذ بالدليل وإن كان مخالفا لأقوالهم، إلا أن ذلك لم يمنع من وجود طائفة تعصبت لأقوال أئمتهم، وغلوا في ذلك غلوا كبيرا، فمن أقوال بعض المتعصبة:] قال الحصفكي في أبيات يمدح بها الإمام أبا حنيفة منها:
فلعنة ربنا أعداد رمل ... على من رد قول أبي حنيفة
(1) - زاد المعاد / ابن القيم (3/ 574) .