يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين؛ فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه. فسلم عبد الله على عائشة واستأذن ودخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فجهشت بالبكاء، وقالت: كنت أريد ذلك المكان لنفسي، ولأوثرنَّ به عمر اليوم على نفسي، ورجع عبد الله، فلما أقبل على عمر قيل له: هذا عبد الله قد جاء، قال: اسندوني، ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال لعبد الله: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، قد أذنت لك، وتهلل وجهه، لسان حاله وافرحا واطربا.
الآن ألقى الأحبَّة *** محمدًا وحزبه
أما لسان مقاله فالحمد لله ما كان من شئ أهم إليّ من ذلك المضجع، ثم قال: يا عبد الله إذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلِّم على عائشة أخرى وقل: يستأذن عمر، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن لم تأذن فردني إلى مقابر المسلمين. وأسلم عمر الروح إلى بارئها. وحمل فكأن المسلمين لم تصبهم مصيبة إلا يومئذ، فما أصابهم حزن مثل حزنهم إلا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر. ودفن حيث أكرمه الله مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر -رضي الله عنه وأرضاه-. تقول عائشة- رضي الله عنها- بعد ذلك: كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي وأضع ثوبي وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر معهم فوالله ما دخلته إلا وأنا مشدودة علي ثيابي؛ حياءً من عمر. فإلى السَّافرات، إلى الكاسيات العاريات نهدي هذا الكلام. دفن عمر ولم تدفن سيرته ولا أعماله، وإنما هي باقية بقاء هذا الدين لكل مقتد من المسلمين.
فلقاه ربي في الجنان تحية *** ومن كسوة الفردوس ما لم يمزق
نِلْتَ الشهادة فاهنأ أيها العمر *** بمثل عدلك تُبْنَى ما انتهت دول
أمامك الجنة الخضراء فاهنأ بها*** لا يُرْتَجَى العمر يومًا إن دنا الأجل
انْعَم بخلدك في أبهائها فرحًا *** إنَّ الخلود جزاء أيها البطل
فالآن تهنأ يا عمر بجوار من أهدى البشر