فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 32

بسجدة سجدها قط. كان على فخذ ابنه [عبد الله] فقال: يا بني ضع خدي على التراب؛ علَّ الله أن يرحمني، فلم يفعل عبد الله فأعادها قائلا: ضع خدي على التراب لا أمَّ لك يا عبد الله، يقول عبد الله: فوضعت خده إلى الأرض حتى نظرت إلى أطراف شعر لحيته خارجة من بين أضغاث التراب، وبكى حتى التصق الطين بعينيه، وأصغيت إليه لأسمع ما يقول، فإذا به يقول: ويل عمر إن لم يتجاوز الله عنه، ويل عمر إن لم يتجاوز الله عنه، ويدخل الصحابة يعودونه ومن بينهم عليّ يقول: هنيئًا لك الشهادة؛ لطالما سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر، فأسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك، فبكى وقال: ليتني أنجو كفافًا لا لي ولا عليّ، أو كما قال، ثم قال لابنه: انظر كم عليّ من الدين، قال: فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا، فقال: يا عبد الله، إن وَفَى لها مال آل عمر فأدِّها من أموالهم، وإن لم تفِ فاسأل فيها بني عدي، وإن لم تفِ فاسأل فيها قريشًا، ولا تعدهم إلى غيرهم. يا لله! خليفة المسلمين ميزانية الأمة تحت يديه ويموت ودينه يربو على ثمانين ألفًا! إن قدوته رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من لو أراد أن تجري الجبال له ذهبًا لكان، مات ودرعه مرهونة عند يهودي في أصوع من شعير، فلا ريب ولا غرابة.

أولئك أقوام ما إن ذكرتهم *** جرت عَبَرات الدمع حَرَّى تصبَّبُ

هاهو عمر على فراش الموت في حالة ارتحال من دار الفناء إلى دار البقاء ولا زال يعطي الدروس للأمة. يدخل عليه مسبلا من الشباب فيعوده ويدعو له ويخرج، ثم يقول أعيدوه عليَّ، فيرجع الشاب فيقول: ارفع إزارك فهو أتقى لربك، وأتقى وأبقى لثوبك. رضي الله عن عمر، لم يشغله ما هو فيه عن أن يقول، أو عن أن يأمر بمعروف، أو ينهى عن منكر -رضي الله عنه وأرضاه-ويختم حياته بأهم مالديه و هو أن يدفن بجوار قدوته الحبيب الكريم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجوار أخيه أبى بكر -رضي الله عنه وأرضاه-. يحدث الإمام [البخاري] عن [عمرو بن ميمون] أن عمر -رضي الله عنه- قال: يا عبد الله بن عمر انطلق إلى [عائشة] أم المؤمنين -رضي الله عنها- فقل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت