الصورة الأخيرة: ويحج عمر -رضي الله عنه- فلم يضرب في طريقه فسطاطًا، وإنما كان يلقي الرداء على شجرة فيستظل بشجرتها، أو بظل تلك الشجرة، وينتهي من حجِّه ولما نفر من مِنَى رفع يديه قائلا: اللهم قد كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فأخذني إليك غير مفرِّط ولا مضيع. اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك أخرجه [البخاري] . ويتقبل الله من المتقين. ويرجع إلى المدينة النبوية، ويخطب يوم الجمعة، ويذكر نبي الله- صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر -رضي الله عنه- تعلوه الكآبة والحزن، ثم يقول: رأيت كأن ديكًا نقرني نقرة أو نقرتين، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإن قومًا يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينه، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين الستة الذي توفى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راض. يقول [ابن مسعود] -رضي الله عنه-: فلم أر يومًا أكثر باكيًا ولا حزينا من ذلك اليوم، وفي صباح يوم من أيام الله بعدها يصلي بالناس صلاة الفجر، ويكبر ويبدأ في القراءة يبكي، وبينما هو كذلك إذ تقدمت إليه يد من أيدي الأعداء التي لا تتسلل إلا في الظلام، يد آثمة، يد مجوسية ما سجدت لله سجدة، ولا عرفت الله، لتمزق الأديم الطاهر، فيهوي صريعًا والدماء تثعب منه، فما راع الناس إلا تكبير [عبد الرحمن بن عوف] -رضي الله عنه- إذ أخذه عمر -رضي الله عنه- بيده فقدمه، فصلوا صلاة الفجر صلاة خفيفة، وأما ذلك العلج فما كان منه إلا أن قتل نفسه، وحُمِل عمر إلى بيته وهو في دمه، لم يصل صلاة الفجر، فقيل: يا أمير المؤمنين الصلاة الصلاة، قال: ها، لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، ثم وثب ليقوم، فانبعث جرحه دمًا، فقال: هاتوا لي عمامة، فعصب بها جرحه ثم صلَّى، لم يمنعه ما هو فيه من أداء الفريضة - فلا نامت أعين من يترك الصلاة- ولما سلَّم من صلاته قال: أيها الناس هل كان هذا على ملأ منكم؛ أي كان طعنه على ملأ منكم؟ قال [علي] : والله لا أدري من الطاعن من خلق الله، أنفسنا تفدي نفسك، ودماؤنا تفدي دمك، لوددنا لو أن الله زاد في عمرك من أعمارنا. ثم علم أن طاعنه عدو الله [أبو لؤلؤة المجوسي] ؛ غلام المغيرة، فقال عمر: قاتله الله لقد أمرت به معروفًا، الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله