ويُرْفع شأن مختلس وغاوي *** ويُجْفى كل ذي عقل رزين
لرأى عجبًا والله. أيها الأحبة يوم يدخل المرء داخل معركة القادسية وغيرها يعرف ماذا كان يجري في جيش المسلمين، وفي جيش الكافرين، يعرف حينها عوامل النصر، ومؤهلات العز، وعوامل الهزيمة. فادخل معي إلى المعركة، واسمع. كما تعلمون تبدأ المعارك غالبًا بالمبارزة، وبدأت المبارزة بين الصفين؛ بين صف يقول: لا إله إلا الله، وبين صفٍّ يعبد النار من دون الله، فقام عَلَجٌ من الفرس ما عرف الله لحظة من اللحظات، ودخل الساحة، فخرج إليه رجل من المسلمين، فتجاولا وتصاولا، فلم يلبث العلج الفارسي أن قتل المسلم. والمبارزة كما تعلمون لها تأثير نفسي غالب على الجيش، وعلى مستقبل المعركة، فخرج إليه رجل آخر من المسلمين وبدأت المبارزة مرة أخرى، فلم يلبث العلج أن قتل المسلم، ففتَّ ذلك في عَضُد المسلمين، ثم خرج ثالث من المسلمين -يتهاوون على الموت، يريدون ما عند الله- وتجاولا، فلم يلبث العلج أن قتل المسلم، فوهن ذلك في عزم المسلمين وهنًا شديدًا، كافر يقتل ثلاثة من المسلمين في تلك اللحظة الحرجة. كان في جيش المسلمين شيخًا كبيرًا قد بلغ ما يربوا على ثمانين عامًا، لا يزال يجاهد والمؤمن في جهاد حتى يلقى الله ممتثلا قول الله تعالى•وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) خرج هذا الشيخ الكبير على فرسه لسان حاله:
أخي ظمئتْ للقتال السيوفُ *** فأورد شَبَاها الدمَ المُصْعَدَ
فإمَّا حياة تسرُّ الصديق *** وإمَّا مماتٌ يغيظ العدا
ويصاول هذا العلج الذي انتفخ ريشه وتكبر؛ لأنه قتل ثلاثة من المسلمين، فتطاول معه زمن طويل، لكن هذا الشيخ المسلم ما لبث أن قفز من خيله إلى خيل ذلك الفارسي فصارا على خيل واحدة، ثم حمل هذا الفارس بيده وهو مدجج بالسلاح والدروع فرفعه بيديه، ثم أنزله على ركبتيه فكسر ظهره نصفين، ثم رمى به، وقال: هذا علج خبيث، لا يستحق أن يضرب بالسيف. فكبر المسلمون ودارت المعركة فكان النصر لمن ينصرون الله.
هذا هو الإيمان درب نجاتنا *** فما بالنا عن دربنا نتنكَّب