أما القصة الأخرى: وهي صفحة دليل على المراقبة، فكان عمر - رضي الله عنه - يتفقد الرعية، فإذا هو يسمع صوتا؛ لأن بيوتهم كانت بسيطة، فإذا امرأة تقول لبنتها: يا بنية اخلطي اللبن بالماء، قالت: يا أمي، ألم تعلمي أن عمر - رضي الله عنه - منع أن نخلط الماء باللبن، أو أن نخلط اللبن بالماء؟ قالت لها أمها: يا بنيتي، وأين نحن من عمر، وأين عمر منا؟ فقالت البنت: يا أمي، إن كان عمر لا يرانا، فإن رب عمر يرانا، لا يا أمي، فرفضت، فخطبها عمر - رضي الله عنه - لابنه عاصم، فولدت بنتا، من أبنائها أيضا، منهن بنت تزوجها عبد العزيز بن مروان، فولدت عمر بن عبد العزيز، خامس الخلفاء، كما ورد في إحدى الروايات، إذن نحن نحتاج إلى المراقبة، أن نراقب الله جل وعلا.
أيضا أيها الأحباب: من المواقف والصفحات المشرقة: أم عبد الله الصغير، آخر ملوك الأندلس، كانت تربيه، وتحاول أن تصلحه، وتقول له: إنني أخشى يا بني أن يضيع ملكك؛ لأنه كان مغرق في الشهوات، فلما سقطت الأندلس على يديه جلس يبكي على صخرة، فجاءته - انظروا ماذا قالت - قالت كلمة تكتب بماء الذهب، قالت له: يا بني، ابك مثل النساء ملكا مضاعا، لم تحافظ عليه مثل الرجال.
وصفحة أخرى: قام أحد الدعاة يدعو إلى التبرع للجهاد في سبيل الله، فيفاجأ أنه قد جاءه تبرع من نوع غريب، جاءته الأموال، جاءته الملابس، جاءه الذهب، لكنه جاءه تبرع من نوع غريب، ما هو هذا الذي تُبرع به؟ إنه ظفيرة امرأة، فأرسلت المرأة تقول: إنك حثثتنا على التبرع للجهاد، وأنا لا أملك ما أتبرع به إلا ظفيرتي، فإنني أقطعها لتكون حبلا لفرس في سبيل الله -جل وعلا-.
مواقف عجيبة، وصفحات مشرقة.