رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه ، ووضع بها موضعها،واختار لها سكنها ، وأعطى القوس باريها.
وإذا تمنى مطلوبا، أو تشوف مرغوبا، جدّ له وتفانى في طلبه،حرصًا وبذلا وسخاء .
فمن رغب العلم وعمقه ، ضبط المختصرات ، ولازم الشيوخ ، وجرَد المطولات، ونظر، وحقق، ودقق ، ولم يكتف باليسير ، أو يظن الوصول .
بل كما قال ابن المبارك رحمه الله:
( لا يزال الرجل عالما ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ) .
حتى تبلغ النفس مبلغها ، فيزكي الشيوخ ، ويذعن الأقران. عندها، تؤسس الحلقات ، وتصنف الكتب، ويفيد ، ويقرر ، ويفتي ، ليس الذي طلب العلم شهرًا ، أو قرأ شيئا من القرآن ، ظن أن حاز المطالب ، واجتنى الرغائب !! كلا إن الطريق طويل والمسئولية عظيمة ، ولكنها لذيذة ممتعة لمن أدرك حلاوتها ، وأصاب لذاذتها .
كما قال أبو إسحاق إلاليبري رحمه الله:
فلو قد ذقت من حلواة طعما…
………لآثرت التعلم واجتهدتا
فقوت الروح أرواح المعاني …
وليس بأن طعمت ولا شربتا
ونفس القول فيمن سلخ عمره للدعوة ، وتربية الناس، لابد له من علم بأصول الدعوة، وفقهها ، وما ينبغى أن يحمله الداعية إلى الله من آداب وشمائل ، ويتحصن بثقافة شرعية ، وفكرية ، يواجه بها شبهات الخصوم واتهامات الأعداء ، إذ ليست الدعوة مناخا لكل من هبَّ ودبَّ فالله يقول:
? قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ( [يوسف:108]
والحذر الحذر من حب الصيت ، وطلب التجمع، وعشق الاستكثار ، فإنها من غوائل الطريق، يستطيبها من قل علمه ، وهانت تربيته، ولم يعرف معاني الدعوة ، ولا أدرك مغازيها . ومن صغار الدعاة من يتطاول على معلميه ، وينتقد مربيه، الذين شابت لحاهم في الإسلام ، وعرفتهم الأيام ،ونفع الله بهم منافع يانعة، ومحاسن باهرة ، لكن حبك الشىء يعمي ويصم، ومن هؤلاء من ينظر جهلا، ويدقق سفها ، ويجادل باطلا، ويعاند عمى،
والله المستعان .