يا عجبا ازدهى الحَجر المالي ، وغاب الحجر الفكري والعلمي من طوائف استرزقت بالعلم واستمكنت بالدعوة والتدريس ، شكلًا لا مضمونا، وتألقت بالوثائق، وهي مجردة من الحقائق ، جانبتها الأصول ، وحُرمت من المنقول والمعقول ثم إنها تنزل أنفسها غير منازلها، وتأتي البيوت من غير أبوابها.
ورغم الشر والخطر ، إلا أن للدين أهله، وللعلم فرسانه ، وللدعوة أقطابها ، وللتأليف صُنّاعه ، ولا تخلو الأرض من قائمين لله بحجج ، وذابيّن عن دعوته ببراهين ، ينفون عنها تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، غير مبالين بسطوة ظالم ولا حقد ناقم ، ولا سخافة جاهل ، والميدان الفكري محل اختبار وتمحيص لأدعياء العلم، وزنماء المعرفة، والبلاء موكل بالمنطق ، والفضيحة قرينة التدريس.
والعلماء الراسخون هم أقمار الحياة ، وشموس الدجى، ولا يزالون يُبحرون في عُباب الحياة ، تجلية ، وتربية ، وتنقية ، يجلون دين الله للعوام ، ويربون الناس و الشباب على شرف العلم ، ومحاسن الخصال ، وينقون الشريعة، من جهل الجاهلين ، واعتداء الأفاكين، ومن ظنون الخراصين .
فيالله كم هي سوأة ! التصدر قبل التأهل والتعليم قبل التأصيل، والتذكير قبل التوجيه ، والتعقب قبل التفهم ، والانتقاد قبل التعلم والاستفاد !!
غير متفكرين في جراحات العاقبة ، ونكايات الخاتمة ، والتي تُجهم الوجوه، وتفسد الألسن، وتكدر الأنفس، أم أن نفوسا استدبغت البلاء ، وشبت عن السقام ، وانعدمت منها الأحاسيس ، وامسخت منها المشاعر، فالمقصود الشهرة العمياء والغرور الطاغي ، الذي لا يُسمن ولا يغني من جوع .
وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
( المتشبع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زور) أخرجاه .
وقد قيل:
فدع عنك الكتابة لست منها
ولو سودت وجهك بالمدادِ
وقيل:
فلو لبس الحمار ثياب خزٍ …
لقال الناس يا لك من حمارِ