بلد يموت فيه العلم) وقد علَّق الإمام الغزالي على ذلك فقال: (وإنَّما قال ذلك حرصًا على فضيلة التعليم واستبقاء العلم به) [1] .
فحينما يرى العلماء أنَّ الناس لا تعطيهم قدرهم؛ سواء أكان ذلك من قبيل الاحترام والتبجيل، أو تحريك أذهانهم بالسؤال، والاستمراريَّة في طلب العلم وثني الركب أمامهم والصبر في الاجتهاد في تحصيل العلم؛ فإن لم يجد العلماء ذلك كله فإنَّه سيسبِّب الإحباط لدى بعضهم ...
مع أنِّي أرى أنَّ العالم ينبغي عليه أن يكون مشعلًا وداعية إلى الله، وخصوصًا في ظلِّ الوضع الراهن في فلسطين لقلَّة العلماء المتمكِّنين، ومن لا يعاني لم يدرك المعاني؛ كما يقول الحكماء، فلا بَّد من عزيمة ومثابرة للصبر على الطلبة، وقد أدركت بعض مشايخنا ومنهم الشيخ العلاَّمة ابن جبرين ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ كان في بداية تدريسه لطلاَّب العلم لا يجتمع لديه إلاَّ خمسة من طلبة العلم وقد لا يحضرون جميعًا، حتَّى إنَّه في يوم من الأيام وأثناء حرب الخليج!! لم يحضر أحد من طلبته في الدرس فنادى حارس المسجد ـ وقد كان من جنسية هنديَّة ويعرف شيئًا من اللغة العربيَّة ـ وبدأ تعليمه بشيء من آيات الذكر الحكيم، وكان ما كان حتَّى اشتهر ابن جبرين؛ وصارت دروسه يحضرها المئات بل الآلاف إن كان ذلك في دورات علمية.
قال يحيى بن أبي كثير: لا ينال العلم براحة الجسم، فلا بدَّ من صبر العالم وصبر المتعلم كل منهما على الآخر، فالعالم يصبر في دعوته حتَّى يرى ثمارها يانعة في المستقبل بإذن الله، ويتحرك بعلمه ويبذل من وقته وجهده، ولو كان ذلك على خمسة من طلاَّب العلم يربيهم ويعلمهم، حتَّى يكونوا بعد ذلك خير خلف لزمان ذهب فيه أشياخهم وبقوا هم للناس كي يعلِّموهم أمر دينهم، وأولئك الطلبة يصبرون على تلقيهم العلم، ويقتفون سيرة الجادين من طلبة العلم حتَّى يحصِّلوا العلم المرتجى وينفع الله بهم العباد والبلاد.
تعلم فإن العلم زين لأهله * وفضل وعنوان لكل المحامد
وكن مستفيدًا كل يوم زيادة * من العلم واسبح في بحور الفوائد
(1) إحياء علوم الدين للإمام الغزالي: (1/ 23)