وهذا كله قد أثَّر تدريجيًا وبصورة مباشرة أو غير مباشرة في تقليل اهتمام الشباب المسلم بأصول العلم الشرعي طلبًا له واجتهادًا في تحصيله، على الأسس العلمية والقواعد المنهجيَّة المبنية على فقه مصادر التلقي الصحيحة، وإدراك مناهج الاستدلال الرصينة.
وعودة للحال العلميَّة في فلسطين، فإنَّا نشاهد شيئًا من الضعف في نشر العلم الشرعي في بلادنا المباركة، وقلما أرى اجتهادًا علميًا ملموسًا في نشر العلم الشرعي على النمط التأصيلي الذي يبني طلاب علم في حلق علمية خاصة، سواء في المساجد أو في غيرها، وكأنَّ فلسطين ليست بحاجة لهذا النمط التعليمي!!
بل تكاد تكون الدروس الشرعية شبيهة بمواعظ أو دروس خفيفة ملَّ السامع من كثرة سماعها، فصارت الدروس ذات نمط ممل، تجلب الخمول والنوم، ولا تبعث النهضة العلمية وصناعة التأصيل العلمي الذي يبني طلاب علم شرعيين أصحاب أصول منهجيَّة وفهم علمي رصين، والحقيقة أنَّ ذلك القحط في التأصيل للعلوم الشرعيَّة شيء مشاهد وواقع منظور له بمرأى العين، حتَّى بتنا نسمع بعض الناس، لأن يقولوا: أين هم علماء فلسطين؟ ومن هم؟ وكيف نعرفهم؟ وما مشاريعهم العلمية؟ وما مؤلفاتهم التي تدل على سمو علمهم؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي تخطر في بال الكثيرين.
لقد تذكرت حينئذٍ ـ ما رأيته بكل وضوح من القصور العلمي في فلسطين، وقلَّة الفقهاء المتمكِّنين من أصول الشريعة ومحكماتها ومقرراتها وقواعدها ومقاصدها ـ الموقف الذي جرى للإمام الغزالي رحمه الله عندما نظر لأحوال علماء عصره فوجدهم فئاتٍ شتى ما بين محصل للعلم، وتارك له، أو جامع للاثنين مع السعي نحو الشهرة والجاه، والذكر والانتباه، والتوسع في ملذات الدنيا وشهواتها، وربط ذلك بظهور عزة الإسلام وشرف العلم، ومنهم من أوغل في جزئيات العلوم وفروع الفنون، تاركًا وراء ظهره بقية العلوم ومكملات الفهوم بل منهم من عزف عن الحياة زهدًا فيها ورغبة عنها، فتركوا ديار الإسلام لكل ناهب وسالب، فما كان منه رحمه الله إلاَّ أن يردد هذين البيتين في تحسر:
فقهاؤنا كذبالة النبراس ** هي في الحريق وضوءها للناس