الصفحة 12 من 21

أن أمة من عظمائهم كانوا ينظرون في الشؤون العامة، ويتلون السيرة التي تكسو صاحبها جلالة، وترفع له بين الخلائق ذكرًا"."

إنَّ للعلماء الربَّانيين الصادقين عظيم الدور، وكبير الأثر، في إصلاح الأمَّة، والسعي بها نحو الكمال، وعدم المداهنة في عرض الدين، فهم إن لم يقولوا الحق، فيستحيل أن يقولوا الباطل أو يرقعوا له، وها هو الشيخ الذي نقلت عنه آنفًا، وهو الشيخ محمد الخضر حسين أحد علماء تونس المعاصرين الكبار، فإنَّه حين انتقل إلى مصر وأعطي جنسيتها وأسندت إليه إدارة الأزهر في بداية الخمسينيات، وحينما تدخَّلت الحكومة في شؤون الأزهر شعر بالإهانة لعدم احترام حريَّة العلماء واحترام ذلك الصرح الكبير فقدَّم استقالته، رحمه الله رحمة واسعة، وحقيق به قول الله تعالى: (الذين يبلِّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلاَّ الله) ، ولهذا فإنَّا نجد أنَّ(أهل العلم يوجهون هممهم إلى الوسائل التي تقي الأمة ممن يبغونها الأذى، فهذا أبو بكر بن العربي قاضي أشبيلية رأى ناحيةً من سور أشبيلية محتاجة إلى إصلاح، ولم يكن في الخزانة مالٌ موفَّرٌ يقوم بسدادها، ففرض على الناس جلود ضحاياهم، وكان ذلك في عيد أضحى، فأحضروها، وصرفت أثمانها في إصلاح تلك الناحية المتهدمة.

وكان محمد بن عبد الله بن يحيى الليثي قاضي قرطبة كثيرًا ما يخرج إلى الثغور، ويتصرف في إصلاح ما وهى منها حتى مات في بعض الحصون المجاورة لطليطلة.

وظهور العلماء في أمثال هذه المواقف يغرس لهم في نفوس الأمة ودًَّا واحترامًا، ويورثهم في رأي أولي الأمر مقامًا كريمًا.

أفلا نذكر أيام كان أمراء الإسلام يَعْرِفون في طائفة من العلماء رجاحةَ الرأي، وصرامةَ العزم، وخلوص السريرة، فيلقون إليهم بقيادة الجيوش، فيكفون بأس أعدائهم الأشداء.

وما كان أسد بن الفرات قائد الجيش الذي فتح صقلية إلا أحد الفقهاء الذين أخذوا عن مالك بالمدينة، ومحمد بن الحسن في بغداد، وعبد الرحمن بن القاسم في القاهرة)

وبهذه الأمثلة ندرك شيئًا كبيرًا من الدور الغائب لدى بعض أهل العلم في زمننا هذا، حينما نقارن حالهم بحال كثير من أهل العلم السابقين رحمة الله عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت