ورسولنا الهادي - صلى الله عليه وسلم - يخبرنا ويقول: (إنَّ الله يبعث على رأس كلِّ مائة سنة من يجدد لها أمر دينها) ، أخرجه أبو داود بسند صحيح.
ولهذا نجد الإمام الجليل ابن قيم الجوزيَّة ـ رحمه الله ـ يتحدَّث عن أفضليَّة العلم وأنَّ نشره جزء من الجهاد في سبيل الله حيث يقول:"وإنما جعل طلب العلم من سبيل الله؛ لأن به قوام الإسلام، كما أن قوامه بالجهاد، فقوام الدين بالعلم والجهاد."
ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنان؛ وهذا المشارك فيه كثير، والثاني: الجهاد بالحجة والبيان؛ وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وهو جهاد الأئمة، وهو أفضل الجهادين؛ لعظم منفعته وشدة مؤنته وكثرة أعدائه ....
ثمَّ قال ـ يرحمه الله ـ والمقصود أن سبيل الله هي الجهاد وطلب العلم ودعوة الخلق به إلى الله، ولهذا قال معاذ -رضي الله عنه-: عليكم بطلب العلم؛ فإن تعلمه لله خشية ومدارسته عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد". [1] "
إنَّ المراد أن يكون لأهل العلم في فلسطين دورهم الريادي وأسلوبهم القيادي في تبليغ هذا الدين لأهل فلسطين، ولقد قال الله تعالى: (ولتكن منكم أمَّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) ، ولهذا فإذا أردنا بحق إصلاح وضع التعليم الشرعي في بلادنا فإنَّنا بحاجة إلى أن تكون لدينا مجابرة على أنفسنا، واستشعار للمسؤوليَّة المناطة بأهل العلم، ومن لم يعانِ لا يدرك المعاني، والنعيم لا يدرك بالنعيم.
يحدثنا الكاتبون في تاريخ الأندلس أن العلماء المقيمين في ضواحي قرطبة كانوا يأتون يوم الجمعة للصلاة مع الخليفة، ويطالعونه بأحوال بلدهم وقال أحد علمائهم:
وأَتْعَبُ إن لم يُمْنَحِ الناسُ راحةً *** وغيري إن لم يَتْعَبِ الناس يتعبِ
ومن جميل ما اطَّلعت عليه ما قاله الشيخ محمد الخضر حسين:"أهل العلم يرقبون كل حركة تقوم بها جماعة من الأمة، فينقدونها بالنظر الخالص، ويصدعون فيها بآرائهم مدعومة بالأدلة المقنعة، ولا تعد هذه المراقبة وهذا النقد خارجين عن خطة العالم الإسلامي، بل هما واجبان في عنقه كواجب التعليم والإفتاء. وإذا قص علينا التاريخ أن فريقًا من أهل العلم قضوا حياتهم في بحث المسائل العلمية البحتة، فقد قص علينا"
(1) مفتاح دار السعادة: (1/ 271 ـ 272)