فإننا نرى في قوله (مصورًا يصور) إشارة إلى أنه لم يكن ينحت، أو يجعل صنمًا مجسمًا، وإنما هو يصور صورًا على جدران هذه الدار وحيطانها، وهذه الصور بلا شك صورة مسطحة لا مجسمة، فاستدل أبو هريرة بهذا الحديث على تحريم التصوير باليد لما كان مسطحًا لعموم هذا الحديث، ولغيره من الأدلة الأخرى الدالة على تحريم التصوير لذوات الأرواح، إذًا فهذا الدليل حجة لمن قال بتحريم النقش باليد وكذا الرسم بها لما كان مسطحًا.
الدليل الثالث: ومن الأدلة أيضًا عند من قال بالكراهة دون التحريم حديث عائشة - رضي الله عنها- وفيه أنه كان في بيتها ستر فيه تماثيل فلما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - هتكه وقال: {أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله} [1] ، قالت: فجعلته وسادة أو وسادتين، وفي رواية: كان يرتفق عليها النبي - صلى الله عليه وسلم -. وفي رواية قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم: {حولي هذا فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا} [2] .
قالوا: وهذا فيه دليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمل هذه الصور في بيته لأن عائشة ما كان منها إلا أنها جعلته وسادتين لما رأت كراهية النبي - صلى الله عليه وسلم - لوجودها سترًا، ولم ينكر عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ولا شك أن الصورة باقية على الوسادتين.
قلت: وللإجابة على هذا الاستدلال أولًا نقول: نجيب بما قلناه سابقًا أن هذا من الخلط بين الأمور فهناك فرق بين الرسم واستعمال الرسوم، فالأول كما ذكرنا كبيرة من كبائر الذنوب، ومعصية عظيمة يقوم بها الرسام، أما استعمال الرسوم فهذا
(1) أخرجه البخاري انظر فتح الباري (10/ 400) ومسلم شرح النووي (15/ 74 - 75) .
(2) أخرجه مسلم انظره في صحيح مسلم شرح النووي (15/ 73) .