ولتوضيح ما ذكره ابن القيم نذكر قول القرافي:"الأحكام على قسمين: مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها ووسائل: وهي الطرق المفضية إليها وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل غير أنها أخفض رتبة من المقاصد" (الفروق: 2/33)
والحاصل أن العزيمة راجعة إلى أصل كلي ابتدائي. والرخصة راجعة إلى جزئي مستعصي عن ذلك الأصل الكلي. (الموافقات للشاطبي:1/300-303)
وإذا كان كلام إمام الحرمين وتلاميذه يرمي إلى تعليل نصوص شرعية- غير اجتهادية - بالحاجة فإن المالكية توسعوا في بناء الفروع الاجتهادية على الحاجي الكلي.
قال المواق - بعد أن ذكر أنواعًا من عقود الإجارة التي لايجيزها مالك-:"وكان سيدي ابن سراج رحمه الله فيما هو جار على هذا لا يفتي بفعله ابتداء ولا يشنع على مرتكبه فقصارى أمر مرتكبه أنه تارك للورع."
وما الخلاف فيه شهير لا حسبة فيه ولا سيما إن دعت لذلك حاجة.
ومن أصول مالك أنه يراعي الحاجيات كما يراعي الضروريات فأجاز الرد على الدرهم، مع كونه يجعل مد عجوة من باب الربا وأجاز تأخير النقد في الكراء المضمون. إلى أن قال: ويُباح الغرر اليسير بخلاف باب الربا.
وسُئل سيدي ابن سراج رحمه الله: هل تجوز المشاركة في العلوفة أن يكون الورق على واحد وعلى الآخر الخدمة وتكون الزريعة بينهما على نسبة الحظ المتفق عليه ؟ فأجاب: قد أجاز ما ذكر بعض العلماء، فمن عمل بذلك على الوجه المذكور للضرورة وتعذّر الوجه الآخر فيرجى أن يجوز إن شاء الله.
ورأيت له فتيا أخرى قال فيها:"ويجري ذلك على مقتضى قول مالك في إجازة الأمر الكلي الحاجي".