وقال ابن قدامة في الروضة في سياق حديثه عن المصالح المرسلة التي لم يشر لها الشرع بإبطال ولا باعتبار معين، وهذا على ثلاثة ضروب: أحدها ما يقع في مرتبة الحاجات (وضرب له أمثلة) . الضرب الثاني ما يقع في موقع التحسين (وذكر له أمثلة) ثم قال:"فهذان الضربان لا نعلم خلافًا في أنه لا يجوز التمسك بهما من غير أصل فإنه لو جاز ذلك كان وضعًا للشرع بالرأي ولما احتجنا إلى بعثة الرسل. (روضة الناظر:1/413 وما بعدها) ."
ومن قال بتأثير المصلحة في محل الحاجي شرط أن تكون جارية على أصول الشرع وقواعده متفقة مع مبادئه ومقاصده بحيث لا تنافي أصلًا من أصوله ولا دليلًا من أدلته. (الشاطبي"الاعتصام": 2/129) .
لأن الحنيفية السمحة إنما أتى فيها بالسماح مقيدًا بما هو جار على أصولها، وليس تتبعًا للرخص ولا اختيار الأقوال بالتشهي بثابت من أصولها. (الموافقات للشاطبي:4/145) .
ولإيضاح ما نريده نورد كلمات القرافي الآتية في فروقه: (الفرق الحادي والثلاثون بين الانتقال من الحرمة إلى الإباحة يشترط فيها أعلى الرتب وبين قاعدة من الإباحة إلى الحرمة يكفي لها أيسر الأسباب) . (الفروق للقرافي: 3/273)
إلاّ أن المحرم أنواع فمنه المحرم لوصفه كالميتة والدم ولحم الخنزير ومنه الحرام لكسبه: كالمأخوذ غصبًا أو عقد فاسد وهذا التقسيم لابن تيمية. (الفتاوى: 29/320)
والمحرم لكسبه متفاوت فمنه محرم تحريم المقاصد ومنه المحرم تحريم الوسائل والذرائع. فالأول أشد من الثاني.
والربا أشد محرمات العقود، وحرم الربا لأنه متضمن للظلم فإنه أخذ فضل بلا مقابل وتحريم الربا أشد من تحريم الميسر (ابن تيمية) . وقال أيضًا:"إن تحريم الربا أشد من تحريم القمار لأنه ظلم محقق".
والربا متفاوت: فربا الفضل لا يساوي ربا النساء، فإن تحريم هذا من تحريم المقاصد، وتحريم الآخر تحريم الوسائل وسد الذرائع، ولهذا لم يبح شيء من ربا النسيئة. (ابن القيم"أعلام الموقعين": 2/107)