إلاّ أن بعض الفقهاء كابن نجيم والسيوطي نقلوا الحاجة من مفهومها الأصولي إلى القواعد الفقهية دون تقديم ضوابط مما أوهم بعض الباحثين المعاصرين أنه كلما لاحت لوائح مشقة أو عرضت حاجة يعلن الإباحة وكأنه يستند إلى قاعدة قطعية تدل على الحكم بلا واسطة شأن الضرورة الفقهية بمعناها الأخص لا فرق بينهما.
مناقشة تنزيل الحاجة منزلة الضرورة:
قلت: إن الحاجة لا يمكن اعتبارها قائمة مقام الضرورة بصفة مطلقة في إباحة المحرّم، بل إن الأصل أن الضرورة وحدها تبيح المحرّم وأن هذا الحكم لا ينسحب على الحاجة كما قال الشافعي:"وليس يحل بالحاجة محرّم إلاّ في الضرورات". (الأم: 3/28)
وقال الشافعي:"الحاجة لا تحق لأحد أن يأخذ مال غيره". (نفس المرجع: ص77)
والسيوطي نفسه صرّح بذلك:"أكل الميتة في حالة الضرورة يقدم على أخذ مال الغير". (الأشباه والنظائر:ص62)
ذلك أن أكل الميتة فيه حق الله تعالى فقط وأخذ مال الغير ومنه الربا فيه حق الله تعالى وحق الآدمي. قال القرافي:"وقد يوجد حق الله تعالى وهو ما ليس للعبد إسقاطه ويكون معه حق العبد كتحريمه تعالى لعقود الربا والغرر والجهالات. (الفروق1/140-141) "
فهذه العقود محرّمة لحق الله وحق العباد فكيف يمكن تنزيل الحاجة فيها منزلة الضرورة بإطلاق.
وأكثر العلماء رأوا أن المصلحة الحاجية لا يترتب عليها حكم.
قال الطوفي في شرحه لمختصر الروضة:"لا يجوز للمجتهد أنه كلما له مصلحة تحسينية أو حاجية اعتبرها ورتّب عليه الأحكام حتى يجد لاعتبارها شاهدًا من جنسها. (الطوفي: 3/207) "