ثم ذكره بأعمال الصليبيين المشينة وبالمجازر التي أحدثها سلفه عندما فتحوها مند 88 عاما ، وبكثرة القتلى وأعمالهم في النهب والسلب .. فزاد هذا في خوفهم وهلعهم وانهارت مقاومتهم لجيوش صلاح الدين وقرروا النزول على حكمه بأن يفدي الرجل نفسه بعشرة دنانير والمرأة تفدى بخمسة ، والطفل بدينار ، ودخل صلاح الدين المدينة مهللا مكبرا وأمر بغسل المسجد الأقصى ومسجد الصخرة بماء الورد ورفع الأذان لأول مرة عاليا ، وبعث إلى حلب من أحضر المنبر الذي بناه نور الدين زنكي من الخشب الفاخر ، منذ عشرين عاما لهذه المناسبة ، وأقيمت أول جمعة في هذا المكان الطاهر بعد منعها مدة طويلة من الزمن .
لكن صلاح الدين قد استعمل أسلوبا من التسامح والرأفة والرحمة مع فقراء بيت المقدس من النصارى ، والعجائز والنساء ، لم يعرف له التاريخ مثيلا إلى عند المسلمين .. فقد بذل لهم من ماله ، ومنع التعدي على بيوتهم وأموالهم ودماءهم ، بل زاد في الرأفة بأن بث رجال الشرطة لتفقد أحوالهم ، والمحافظة على أمنهم .. وأكثر من هذا بأن أمر بإطلاق سراح أزواج وأولاد النساء اللواتي جئن يشتكين عنده من سوء حالهن ، ولا معيل لهن ، الذين لا زالوا على قيد الحياة وهم من بين الأسرى ، وعالج مرضاهم .. أسلوب فريد تمثل فيه سمات الإسلام العالية ونبله في التعامل مع المغلوبين ، فهو دين سمح يدعو للمحبة وتأليف الناس ودعوتهم للانضواء تحت لوائه ، كما يدعو لمعاملة المسيء بالحسنى والحاقد بالرضى والمتجني بالعفو والصفح ..
فصبر صلاح الدين وجلده وصدقه وإخلاصه ، أمور عادت على الجيوش الإسلامية بالنصر والتأييد ، فقد توصل بحسن سياسته للأمور وبعد نظره إليها ، ودأبه على العمل وحسن ثقته بالله .. إلى أن يعيد بناء الأمة الإسلامية للوقوف صفا واحدا أمام الصليبيين ، بعد أن عصفت بها الفتن ، وانتابها التفرق ، وطغت الخيانات على بعض أفرادها .