أما وجه القياس -المتروك- فهو: إن الفساد لا يخلو إما أن يكون لخساستها, أو لاشتغال قلب الرجل بها والوقوع في الشهوة.
ولا وجه للأول: لأن المرأة لا تكون أخس من الكلب والخنزير, ومحاذاتهما غير مفسدة [1] ولأن هذا المعنى يوجد في المحاذاة في صلاة لا يشتركان فيها, والمحاذاة فيها غير مفسدة بالإجماع.
ولا سبيل للثاني -اشتغال قلب الرجل بها, وهذا المعنى موجود في المحاذاة في صلاة لا يشتركان فيها, والمحاذاة فيها غير مفسدة بالإجماع -كما ذكرنا- سابقًا -ولأن المرأة تشارك الرجل في هذا المعنى, فينبغي أن تفسد صلاتها أيضًا, ولا تفسد بالإجماع, والدليل عليه أن المحاذاة في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة غير مفسدة, فكذا في سائر الصلوات [2] .
(ب) وأما قولهم: بالتسوية بين محاذاة البالغة ومحاذاة المراهقة في حق فساد صلاة الرجل استحسانًا لا قياسًا فوجه القياس عندهم هو: عدم فساد صلاة غير البالغة؛ لأن صلاتها تخلق واعتياد, لا حقيقة صلاة. أي: أن مقتضى القياس هو عدم فساد صلاتها, ولكنهم تركوه استحسانًا, ووجه الاستحسان هو: أنها مأمورة بالصلاة مضروبة عليها, فجعلت المشاركة في أصل الصلاة, والمشاركة في أصل الصلاة تكفي للفساد إذا وجدت المحاذاة [3] .
(جـ) وقولهم في الصورة الثانية- إذا قامت في الصف امرأة ... استدلوا عليه بقولهم: إن المرأة إن صلت في الصف فسدت صلاة من على يمينها ومن على يسارها ومن خلفها؛ لأن الواحدة تحاذي هؤلاء الثلاثة ولا تفسد صلاة غيرهم؛ لأن هؤلاء صاروا حائلين بينها وبين غيرهم, فهم بمنزلة اسطوانة, أو كارة من الثياب, فلم تتحقق المحاذاة [4] .
(د) وفي الصورة الثالثة: لو كانتا اثنتين أو ثلاثة استدل محمد على أن المرأتين تفسدان صلاة أربعة: من على يمينهما، ومن على يسارهما, ومن خلفهما بحذائهما بقوله: إن المرأتين لا تحاذيان إلا أربعة نفر, فلا تفسدان صلاة غيرهم. فالثنتان ليستا بجمع حقيقة فلا يلحقان بالصف من النساء التي هي اسم جمع, فانعدمت الحيلولة, فيتعلق الفساد بالمحاذاة لا غير, والمحاذاة لم توجد إلا بهذا القدر.
واستدل على أن الثلاث يفسدن صلاة من على يمينهن ومن على يسارهن وثلاثة ثلاثة إلى آخر الصفوف خلفهن بقوله: الثلاث منهم جمع حقيقة, فالحق بصف كامل في حق من صرن حائلات بينه وبين الإمام فسدت صلاة ثلاثة ثلاثة إلى آخر الصفوف, وفسدت صلاة واحد عن يمينهن, وواحد عن يسارهن؛ لأن هناك الفساد بالمحاذاة لا بالحيلولة, ولم توجد المحاذاة إلا بهذا القدر.
أما وجه الرواية الأولى لأبي يوسف فهو: إن فساد الصلاة ليس لمكان الحيلولة؛ لأن الحيلولة إنما تقع بالصف التام من النساء ولم توجد, وإنما يثبت الفساد بالمحاذاة, ولم توجد المحاذاة إلا بهذا القدر.
ووجه الرواية الثانية له: أن للمثنى حكم الثلاث بدليل أن الإمام يتقدم الاثنين ويصطفان خلفه كالثلاثة, ثم حكم الثلاثة هذا, فكذا حكم الاثنين.
(هـ) وفي الصورة الرابعة: وهي إذا كن صفًّا تامًّا فقد قالوا: تفسد صلاة جميع الصفوف التي خلفهم استحسانًا لا قياسًا.
لأن القياس: يقتضي أن تفسد صلاة صف واحد خلفهن لا غير؛ لانعدام محاذاتهن لمن وراء هذا الصف الواحد، وقد تركوا هذا القياس للاستحسان.
ووجه الاستحسان عندهم هو: ما ورد عن عمر -رضي الله عنه- موقوفًا ومرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان بينه وبين الإمام نهرا أو طريق أو صف من النساء فلا صلاة له» .
وجه الدلالة: جعل عليه الصلاة والسلام صف النساء حائلًا كالنهر والطريق ففي حق الصف الذي يليهن من خلفهن وجد ترك التأخير منهم والحيلولة بينهم وبين الإمام بهن, وفي حق الصفوف الأخر وجدت الحيلولة لا غير, وكل صف من المعنيين بانفراده علة كاملة للفساد [5] .
ثانيًا: أدلة أصحاب الرأي الثاني
جمهور الفقهاء -القائلين بكراهة محاذاة المرأة للرجل على أي صورة مع صحة صلاة الجميع من السنة النبوية المطهرة, وبالقياس, وبالمعقول.
استدلوا بالمنقول من السنة النبوية المطهرة:
1 -ما ورد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حسناء من أحسن الناس, فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها, ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه، فأنزل الله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَاخِرِينَ) [6] ، [7] .
وجه الدلالة: دل الحديث الشريف أن بعض المصلين من الصحابة -رضوان الله عليهم- كان يتقدم على هذه المرأة الجميلة وبعضهم يتأخر أي: يجعلها أمامه [8] ولم يبطل الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة من تأخر، ولا أمره بالإعادة [9] .
مما يدل: على أن المرأة إن تقدمت الرجل -المأمور في الصلاة لا تبطل صلاته, فأولى إن حاذته.
2 -ما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقطع الصلاة شيء، وادرءوا ما استطعتم, فإنما هو الشيطان» [10] .
(1) إشارة منهم إلى قوله عليه الصلاة والسلام المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب, ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل» . أخرجه مسلم في صحيحه/ كتاب: الصلاة باب: بيان سترة المصلي, فقد قالوا بعدم إبطال الصلاة بمرور شيء من هؤلاء ولا من غيرهم, وتأولوا الحديث على أن المراد بالقطع نقص الصلاة لشغل القلب بهذه أشياء, وليس المراد إبطالها. شرح النووي جـ 4 ص 227.
(2) البدائع جـ 1 ص 239.
(3) البدائع جـ 1 ص 239.
(4) المرجع السابق ص 239، 240.
(5) البدائع جـ 1 ص 240، يراجع شرح فتح القدير جـ 1 ص 374، 375.
(6) سورة الحجر من الآية 24.
(7) حديث صحيح أخرجه الترمذي في سننه/ كتاب: تفسير القرآن/ باب: ومن سورة الحجر، يراجع سبب النزول أحكام القرآن لابن العربي جـ 3 ص 101.
(8) تحفه الأحوذي جـ8 ص91.
(9) الحاوي الكبير جـ2 ص258.
(10) أخرجه أبو داود في سننه/ كتاب: الصلاة/ باب: من قال: لا يقطع الصلاة شيء، وسكت عنه واللفظ له, وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى/ كتاب: الصلاة جـ2 ص282, وهو حديث ضعيف: فقد قال المنذري في إسنادهم مجالد وهو ابن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي، وقد تكلم فيه غير واحد, وأخرج له مسلم حديثًا مقرونًا بجماعة من أصحاب الشعبي - بذل المجهود جـ ص.