المبحث الخامس
مخالفة النساء موقفها
ذكرت سابقًا أنه من السنة للنساء أن يقفن خلف الرجال فما الحكم إن تقدمت النساء على الرجال, أو صلت النساء في وسط الرجال؟
للفقهاء في هذا رأيان:
الرأي الأول: للحنفية [1] وقالوا: إن محاذاة المرأة للرجل في الصلاة تفسد صلاته دونها, وهذا رأيهم جملة وسأذكره -إن شاء الله تفصيلًا.
الرأي الثاني: لجمهور الفقهاء من المالكية [2] والشافعية [3] والحنابلة [4] وقالوا: إذا تقدمت المرأة على صفوف الرجال بحيث لم تتقدم على الإمام أو بجنب الإمام فهذا كله مكروه, وإن فعلته صحت صلاة الجميع - المرأة ومن صلت معهم- المرأة الأجنبية والمحرمة، وإن وقف النساء في صف تام فهذا لا يمنع اقتداء من خلفهن من الرجال, أي: أن صلاة الجميع صحيحة.
تفصيل رأي الحنفية [5]
قالوا: إن محاذاة [6] المرأة للرجل في الصلاة تفسد صلاته دونها.
وذكروا لهذه المحاذاة صورًا وشروطًا, وهي على التفصيل الآتي:
أولًا: صور المحاذاة:
1 -محاذاة المرأة للرجل في صلاة مطلقة يشتركان فيها, ففي هذه الحالة: تفسد صلاة الرجل دونها استحسانًا لا قياسًا, فهذه المحاذاة مفسدة للصلاة حتى لو قامت امرأة خلف الإمام ونوت صلاته ثم حاذته فسدت صلاته, وصلاة القوم كلهم.
ومحل فساد صلاة الرجل في هذه الصورة إن نوى الإمام إمامتها, أما إن لم ينو الإمام إمامتها لم تضره المحاذاة, أي: أن صلاته ومن معه صحيحة, وصلاتها هي باطلة.
وهذا الرأي عند الحنفية خلا زفر, أما عنده فإن نية إمامتها ليست بشرط لفساد صلاة الرجل بعدما دخلت في صلاته.
(1) البدائع جـ1 ص239، 240, الهداية. شرح فتح القدير العناية، حاشية سعد حلبي جـ1 ص369: 374، رد المحتار، الدر المختار جـ1 ص384: 387.
(2) الشرح الكبير، حاشية الدسوقي جـ 1 ص331، الشرح الصغير، حاشية الصاوي جـ1 ص148, وجاء في المصدرين السابقين: أنه يكره أيضًا: صلاة الرجل بين صفوف النساء وكذا محاذاته لهن بأن تكون امرأة عن يمينه وأخرى عن يساره، المدونة جـ1 ص106, وجاء فيها ما نصه: (قلت) لابن القاسم: إذا صلت المرأة وسط الصفوف بين الرجال أتفسد على أحد من الرجال صلاته في قول مالك؟ قال: لا أدري أن تفسد على أحد من الرجال ولا على نفسها. (قال) : وسألت مالكًا عن قوم أتوا المسجد فوجدوا الرحبة -رحبة المسجد- قد امتلأت من النساء, وقد امتلأ المسجد من الرجال, فصلى الرجل خلف النساء لصلاة الإمام (قال) : صلاتهم تامة ولا يعيدون. (قال) ابن القاسم: فهذا أشد من الذي يصلي في وسط النساء) الذخيرة جـ2 ص263.
(3) المجموع جـ4 ص188، الحاوي الكبير جـ2 ص257، 258.
(4) المغني جـ2 ص273, وخالف هذا الرأي بعض الحنابلة ومنهم أبو بكر, حيث قال: تبطل صلاة من يليها ومن خلفها دونها موافقًا في هذا الرأي أبي حنيفة - المرجع السابق، كشاف القناع جـ1 ص488.
(5) البدائع جـ1 ص239، 240، الهداية، شرح فتح القدير، العناية، حاشية سعد حلبي جـ1 ص369: 374، رد المحتار جـ1 ص384: 387.
(6) المقصود بالمحاذاة المفسدة أن يحاذي قدم المرأة عضوًا من الرجل في الصلاة - العناية مطبوعة مع شرح فتح القدير جـ1 ص371.