المبحث الثالث
حكم إمامة المرأة للنساء
إذا تتبعنا آراء الفقهاء في حكم إمامة المرأة للنساء وجدنا ثلاثة آراء:
الرأي الأول: للحنفية [1] وقالوا: يكره تحريمًا للنساء وحدهن الجماعة في الصلوات حتى التراويح.
واستثنوا من الصلوات: صلاة الجنازة؛ لأنها لم تشرع مكررة.
الرأي الثاني: للمالكية [2] وقالوا: لا تصح إمامة المرأة للنساء في الفرض والنفل؛ لأن شرط الإمامة الذكورة, فإن صلت المرأة بنساء فالإعادة أبدًا, أي: داخل الوقت وخارجه للنساء المأمومات, أما المرأة التي أمتهن فصلاتها صحيحة.
الرأي الثالث: للشافعية [3] والحنابلة [4] وقالوا: تصح إمامة المرأة للنساء في جميع الصلوات الفرض منها والنفل, فقد قال الشافعية: يسن الجماعة للنساء بلا خلاف عندنا, وتستحب لهن استحبابًا [5] .
وبالرغم من قول الشافعية هذا فإنهم قالوا: وإمامة الرجل بهن أفضل من إمامة المرأة؛ لأنه أعرف بالصلاة، ويجهر بالقراءة بكل حال.
وقال الحنابلة: يستحب أن تصلي المرأة بالنساء جماعة [6] .
وعلى هذا: فإنها إذا صلت بهن قامت في وسطهن, وقال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا بين من رأى لها أن تؤمهن. وهذا إن كان معها أكثر من امرأة, أما إذا أمت المرأة امرأة واحدة قامت المرأة عن يمينيها كالمأموم مع الرجال. وتجهر في صلاة الجهر, وإن كان ثم رجال لا تجهر إلا أن يكونوا من محارمها, فلا بأس.
الأدلة
أولًا: استدل أصحاب الرأي الأول -الحنفية- على كراهة إمامة المرأة للنساء كراهة تحريمية بالمعقول حيث قالوا:
1 -يكره للنساء أن يصلين جماعة؛ لأنهن في ذلك لا يخلون عن ارتكاب مكروه؛ لأن إمامتهن تقتضي أحد أمرين: إما أن تتقدم على القوم أو تقف وسطهن، وفي الأول: زيادة الكشف, وهي مكروهة، وفي الثاني: ترك الإمام مقامه وهو مكروه، وصار حالهن كحال العراة في أنهم إذا أرادوا الصلاة بجماعة وقف الإمام وسطهم؛ لئلا يقع بصرهم على عورته.
-كما أن الأفضل لكل من النساء والعراة أن يصلي وحده، خلا أن العراة يصلي كل منهم منفردًا قاعدًا بإيماء دون النساء.
(1) الهداية، شرح فتح القدير، العناية جـ 1 ص 362، الدر المختار، رد المختار جـ 1 ص 380, وجاء فيه: إن إمامة المرأة صحيحة في صلاة الجنازة حتى ولو أمت فيها رجالًا فلا تعاد لا لانعقاد صلاة الرجال بل لسقوط الفرض بصلاتها, إلا إذا استخلفها الإمام وخلفه رجال ونساء فتفسد صلاة الكل؛ لأنه استخلف من لا يصلح للإمامة فتفسد صلاته وكذا من خلفه, وعدم استخلاف المرأة ليس خاصًّا بصلاة الجنازة فقط بل بجميع الصلوات.
(2) الشرح الكبير، حاشية الدسوقي جـ 1 ص 326، الشرح الصغير، حاشية الصاوي جـ 1 ص 146، الذخيرة جـ 2 ص 242، وأفاد فيها القرافي أنه روي عن مالك أن المرأة تؤم النساء، المدونة جـ 1 ص 84 وجاء فيها ما نصه: [ (قال) وقال مالك: لا تؤم المرأة] , فحمل هذا القول على العموم في الفرض والنفل للرجال والنساء، جواهر الإكليل جـ 1 ص 78، حاشية العدوي جـ 1 ص 377.
(3) الحاوي الكبير جـ 2 ص 447، مغني المحتاج جـ 1 ص 229، المجموع جـ 4 ص 86، 93، 94، 187.
(4) المغني لابن قدامة جـ 2 ص 272، 273.
(5) هل يستحب لهن استحبابًا كاستحباب الرجال وجهان في المذهب: أصحهما: لا تتأكد في حقهن كتأكدها في حق الرجال, فلا يكره لهن تركها لمزية الرجال عليهن. قال تعالى: (وللرجال عليهن درجة) سورة البقرة من الآية 228, والوجه الثاني: نعم لعموم الأدلة -مراجع الشافعية السابقة.
(6) روي عن أحمد أن صلاة المرأة بالنساء غير مستحبة -المغني جـ 2 ص 272.