السلام أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها [1] مراعاة لرأي جماهير الفقهاء, وما استند عليه هذا الرأي من أدلة لا مجال للشك في ثبوتها, وثبوت ما دلت عليه.
وأما الرواية التي أخرجها الحاكم والبيهقي بلفظ: «أنها كانت تؤم أهل دارها في الفرائض» فقد عقب عليها الحاكم بقوله: «هذه سنة غريبة لا أعرف في الباب حديثًا مسندًا غير هذا» . ا هـ.
وقد كانت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- تؤم النساء وتقوم معهن في الصف.
-أي: أن الثابت في كثير من الأحاديث الشريفة -وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى- أن المرأة كانت تؤم النساء لا الرجال.
-وحتى على تقدير ثبوت هذا لأم ورقة -إمامتها للرجال والنساء- فيكون هذا خاصًّا بها دون غيرها, بدليل أنه لا يشرع لغيرها من النساء أذان ولا إقامة, فتختص بالإمامة لاختصاصها بالأذان والإقامة.
ثالثًا: اعترضوا على استدلالهم من المعقول:
1 -اعترضوا على استدلالهم الأول بالآتي: إن قولكم: إن من صح أن يأتم بالرجال صح أن يكون إمامًا للرجل مردود, وذلك لأن كل إمام يصح أن يكون مأمومًا لا العكس, أي: ليس كل مأموم يصلح أن يكون إمامًا؛ لأن للإمامة شروطًا لابد من توافرها.
وعلى هذا: فكون المرأة تأتم بالرجل لا يلزم منه أبدًا أن تكون إمامًا له, والله أعلم [2] .
2 -اعترضوا على استدلالهم الثاني بالآتي: إن قولكم: إن نقص الرق أشد من نقص الأنوثة .. ولما جازت إمامة العبد للأحرار, جازت إمامة المرأة بالأولى، مردود: وذلك لأن نقص الرق دون نقص الأنوثية؛ لأن الرق عارض يزول، والأنوثية نقص ذاتي لا يزول، كما أن العبد لا يخشى الافتتان به بخلاف الأنثى [3] .
وردوا كذلك على بعض الحنابلة القائلين بجواز إمامة المرأة للرجل في التراويح ووقوفها خلفهم بقولهم: إن تخصيص ذلك بالتراويح واشتراط تأخرها تحكم يخالف الأصول بغير دليل, فلا يجوز المصير إليه [4] .
الراجح: مما سبق يتضح لنا بجلاء أن الرأي الراجح هو رأي جماهير الفقهاء, أي: عدم صحة جعل المرأة إمامًا للرجل في الصلاة وذلك:
* لقوة أدلتهم سواء من ناحية الثبوت أم الدلالة.
* لضعف أدلة أصحاب الرأي الثاني وردها, وإذا كان الحديث الذي استدلوا به ثابت, إلا أنه لا يقوى على معارضة أدلة أصحاب الرأي الأول, لذا كان لزامًا عدم أخذه على ظاهره, ووجوب تأويله على نحو ما أوضحت في المناقشة.
(1) يراجع: المغني لابن قدامة جـ 2 ص 270، المستدرك للحاكم جـ 1 ص 203، عون المعبود جـ 2 ص 28.
-واجب أن أنوه: أن ابن قدامة ادعى أنه الدارقطني روي حديث أم ورقة بلفظ: «أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها» أي: بزيادة «نساء» وبرجوعي إلى سنن الدار قطني لم أجد هذه الزيادة, وقد رواه الدارقطني بلفظ: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لها أن تؤم أهل دارها» .
-يراجع: المغني جـ 2 ص 270، سنن الدار قطني جـ 2 ص.
(2) هذا الرد لم أقرأه في مرجع من المراجع التي قرأتها, ولكني استنتجته من خلال قراءتي لشروط الإمامة, والله أعلم.
(3) الحاوي الكبير جـ 2 ص 413.
(4) المغني جـ 2 ص 270.