المطلب الرابع
إذن الزوج
من حقوق الزوج على زوجته ألا تخرج من البيت إلا بإذنه [1] , فإذا أرادت الزوجة الخروج إلى المسجد واستأذنت زوجها فهل يحق للزوج منعها من الخروج إليه؟ بمعنى آخر: هل يجب على الزوج أن يأذن لها بالخروج؟
وللإجابة عن هذا التساؤل أقول: لا يقضي على الزوج -أي لا يجب عليه- بخروج زوجته إلى المسجد, ولكن يستحب له أن يأذن لها إذا استأذنته.
وهذا إذا كانت الزوجة غير مخشية الفتنة لا تشتهى, وأمن المفسدة عليها وعلى غيرها, والتزمت بجميع شروط خروجها السابق ذكرها. وإن منعها في هذه الحالة لم يحرم عليه. أما إذا كانت الزوجة مخشية الفتنة يخشى عليها وعلى غيرها, فيقضى له بمنعها أي: لا يحق للزوج -ومثله الولي والسيد- تمكينها من الخروج لحرمته حينئذ [2] .
وقال البيهقي: وبهذا قال عامة العلماء [3] .
وأما الأحاديث الدالة على عدم منع النساء من الخروج؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» [4] , وما في معناها.
فقالوا: إن النهي فيها محمول على كراهة التنزيه [5] , وذلك لأن حق الزوج في ملازمة المسكن واجب, فلا تتركه للفضيلة, ومعنى كراهة منع المرأة أنه يباح للمرأة الخروج للمساجد -حالة كونها ملتزمة بشروط الخروج للمساجد- ولذا قال الفقهاء: يستحب للزوج أن يأذن لها، لذا عبر عليه السلام بقوله: «إماء الله» يعني أنهن إماء الله بالنسبة إلى خروجهن إلى مساجد الله, فكان التعبير بإماء الله أوقع في النفس من التعبير بالنساء [6] , فكان فيه حث الأزواج على عدم منع زوجاتهم من الخروج إلى المساجد.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن» [7] , وما في معناه.
فقالوا: إن الإذن المذكور في الحديث الشريف لغير الوجوب -أي: لا يجب على الزوج أن يأذن لزوجته بالخروج- لأنه لو كان واجبًا لا يبقى معنى للاستئذان؛ لأن ذلك إنما هو متحقق إذا كان المستأذن مخيرًا في الإجابة والرد [8] .
(1) يستثنى من ذلك الخروج لحق أقوى من حقه كحق الشرع مثل حج الفريضة أو للعلاج، أو لزيارة أبويها على تفصيل في المذاهب - المغني جـ7 ص20، حاشية ابن عابدين جـ2 ص644، حاشية الدسوقي جـ2 ص512, وقليوب وعميرة جـ4 ص74.
(2) الشرح الكبير، حاشية الدسوقي جـ1 ص336, وقالوا أيضًا: لا يقضى على الزوج بخروجها ولو اشترط لها في عقد النكاح, ولكن الأولى الوفاء لها به. حاشية الدسوقي جـ1 ص336، المجموع جـ4 ص94، مغنى المحتاج جـ1 ص230.
(3) السنن الكبرى للبيهقي جـ3 ص105.
(4) سبق تخريجه.
(5) من الذين قالوا بذلك النووي - شرح النووي على صحيح مسلم جـ4 ص162 وهو بهذا قد وافق رأي الفقهاء, وخالفه البعض في هذا ومنهم الشوكاني: حيث قال بعد سرده للأحاديث الدالة على عدم منع النساء من الخروج, والدالة على شروط خروج المرأة: قال: «قد حصل من الأحاديث المذكورة في هذا الباب أن الإذن للنساء من الرجال إلى المساجد إذا لم يكن في خروجهن ما يدعو إلى الفتنة من طيب أو حلي أو أي زينة واجب على الرجال, وأنه لا يجب مع ما يدعو إلى ذلك ولا يجوز, ويحرم عليهن الخروج ... » - نيل الأوطار جـ3 ص 132.
(6) إحكام الأحكام جـ1 ص169.
(7) سبق تخريجه.
(8) فتح الباري جـ2 ص403.