وأما العجائز: فلا يمنعن من الخروج إلى المساجد لانتفاء علة المنع.
بمعنى آخر: أن خروج العجائز لا يترتب عليه إحداث فتنة, أو إثارة شهوة, وعليه فلا بأس من خروجهن لعدم الرغبة فيهن [1] .
واستدل أبو حنيفة على منع خروج العجائز في الظهر والعصر والجمعة وإباحته في الفجر والمغرب والعشاء بقوله: إن فرط الشبق [2] حامل على الوقاع فتقع الفتنة, ومن طبيعة الفساق انتشارهم في الظهر والعصر والجمعة, وأما في الفجر والعشاء فهم نائمون, وفي المغرب بالطعام مشغولون.
ثم رد أبو حنيفة على من اعترض عليه بإجازته لخرجوهن لصلاة العيد بقوله: لا يقاس على صلاة العيد؛ لأن الجبانة [3] متسعة, فيمكنها الاعتزال عن الرجال, فلا يمنعن.
تعقيب: الحق في رأيي -والله أعلم- الذي يجب المصير إليه أن المرأة الجميلة الغير مأمونة الفتنة شابة كانت أم عجوزًا -لا يحق لها الخروج لأي صلاة, أما المرأة المأمونة الفتنة, والتي لا أرب للرجال فيها- شابة كانت أم عجوزًا -لها أن تخرج لحضور الصلوات, أو مجالس العلم؛ لأن الحكم يدور مع علته إيجابًا ونفيًا.
أما أن أحدد عمرًا معينًا للمرأة تخرج فيه وعمرًا لا تخرج فيه, أو أحدد توقيت معين تخرج فيه وآخر لا تخرج فيه, فهذا بعيد خاصة وأن الفساق -خاصة في عصرنا الحالي يخرجون في أي وقت, بل إن خروجهم يكثر ليلًا, ويستمر إلى الساعات الأولى من صباح اليوم الذي يليه [4] .
إذًا: فالعبرة بخروج المرأة وعدم خروجها هو وجود الفتنة, أو عدم وجودها.
ويعضد ما قلته أن الكمال بن الهمام قد فرق بين العجائز بقوله: منع الكل -يقصد الشابة والعجوز- في الكل -يقصد كل الصلوات, إلا العجائز المتفانية فيما يظهر لي دون العجائز المتبرجات- وذات الرمق [5] , والله سبحانه وتعالى أعلم [6] .
كما أن المالكية: قد قسموا العجوز إلى عجوز انقطعت حاجة الرجال منها, وعجوز متجالة لم تنقطع حاجة الرجال منها. وقسموا الشابة إلى فارهة في الجمال وغير فارهة, وأعطوا لكل واحدة منهن حكمها، وهذا ما قاله أيضًا الشافعية والحنابلة, فقد فرقوا بين المرأة التي لها هيئة, والمرأة التي لا هيئة لها شابة كانت أم غير شابة.
فكأن جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة اتفقوا على أن العبرة في خروج المرأة وعدم خروجها مقرون بكونها مخشية الفتنة أو غير مخشية, شابة كانت المرأة أم عجوزًا, وهذا هو الحق الذي يجب اتباعه -والله أعلم.
(1) الهداية مطبوعة مع شرح فتح القدير جـ 1 ص 376.
(2) الشبق: بفتحتين شدة الغلمة, وبابه طرب, وشبق الحيوان شبقًا: اشتدت شهوته. مختار الصحاح المعجم الوجيز مادة -ش- ب - ق.
(3) المصلي العام في الصحراء.
(4) ولهذا السبب نجد متأخري المذهب الحنفي قد عموا المنع للعجائز والشواب -شرح فتح القدير جـ1 ص376, ولا شك أن في تعميم المنع مطلقًا مخالفة للنص - والله أعلم.
(5) الرمق: يقال: رمقه, أي: نظر إليه, وبابه نصر, ويقال: رمقه ببصره أتبعه بصره يتعهده وينظر إليه ويرقبه. مختار الصحاح، المعجم الوجيز مادة: (ر م ق) .
(6) فتح القدير جـ1 ص376.