ثالثًا: صلاة الكسوف والخسوف
اتفق الفقهاء على أن الجماعة سنة في صلاة الكسوف, واستدلوا على ذلك بفعله صلى الله عليه وسلم لها في الجماعة [1] , ويندب أن ينادى لها في الصلاة جامعة, فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: «لما كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نودي أن الصلاة جامعة» .
أما الخسوف: فالحنفية [2] والمالكية [3] لا يرون صلاة الجماعة في صلاة الخسوف, والشافعية [4] والحنابلة [5] قالوا: إن صلاة الخسوف سنة أيضًا, أي: أنهم ساووا بين صلاة الكسوف والخسوف في الحكم.
واستدل الحنفية على: عدم الجماعة في صلاة الخسوف بقولهم: إن الصلاة بجماعة في خسوف القمر لم تنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أن خسوفه كان أكثر من كسوف الشمس, ولأن الأصل أن غير المكتوبة لا تؤدى بجماعة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «فعليكم بالصلاة في بيوتكم, فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» [6] إلا إذا ثبت بالدليل كما في العيدين, وقيام رمضان, وكسوف الشمس؛ ولأن الاجتماع بالليل متعذر, وسبب الوقوع في الفتنة [7] .
واستدل الشافعية والحنابلة بعدة أدلة منها: ما روي عن قيس قال: سمعت أبا مسعود يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد, ولكنهما آيتان من آيات الله, فإذا رأيتموهما فقوموا فصلوا» [8] .
وجه الدلالة: قوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتموهما فقوموا فصلوا» , فالأمر بالصلاة لهما أمر واحد [9] .
رابعًا: صلاة التراويح [10]
اتفق الفقهاء على مشروعية الجماعة في صلاة التراويح؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم, ولفعل الصحابة منذ زمن عمر رضي الله عنه, ولاستمرار العمل بها حتى الآن.
وقال الحنفية [11] : صلاة التراويح بالجماعة سنة على الكفاية في الأصح، فلو تركها الكل أساءوا، أما لو تخلف عنها رجل من أفراد الناس وصلى في بيته فقد ترك الفضيلة، وإن صلى في البيت بالجماعة لم ينل فضل جماعة المسجد.
وقال المالكية [12] : الجماعة في صلاة التراويح مستحبة, ويندب صلاتها بالبيت؛ لما ورد عن أبي ذر, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عليكم بالصلاة في بيوتكم, فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة» [13] .
وندب فعلها في البيوت بشروط ثلاثة وهي:
1 -أن لا تعطل المساجد.
2 -أن ينشط لفعلها في البيت.
3 -أن يكون غير آفاقي بالحرمين, والعلة تلحق ببيت المقدس.
فإن تخلف شرط من هذه الشروط كان فعلها في المسجد أفضل.
واختلفوا فيها إذا صلاها في بيته هل يصليها وحده أو مع أهل بيته؟ قولان: قال الزرقاني: لعلهما في الأفضلية سواء.
وقال الشافعية [14] في الأصح عندهم: إن الجماعة في صلاة التراويح سنة, أي: أنها أفضل من الانفراد. بدليل ما ورد عن السيدة عائشة -رضي الله عنها-: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته, فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه, فأصبح الناس فتحدثوا, فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة, فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فصلوا بصلاته, فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح, فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: أما بعد, فإنه لم يخف علي مكانكم, ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها, فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك» [15] .
ومقابل الأصح: الانفراد بها أفضل كغيرها من صلاة الليل لبعده عن الرياء.
وقال الحنابلة: صلاة التراويح جماعة أفضل من صلاتها فرادى, وقال أحمد: كان علي وجابر وعبد الله -رضي الله عنهم أجمعين- يصلونها جماعة, ولكن إن تعذرت الجماعة صلى وحده [16] ؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» [17] .
وصلاة الوتر: عقب التراويح في جماعة مستحبة في قول الحنفية [18] والشافعية [19] , وسنة عند الحنابلة [20] .
(1) ثبت هذا في حديث مطول أخرجه البخاري في صحيحه / كتاب: الكسوف/ باب: صلاة الكسوف في جماعة.
(2) البدائع جـ1 ص280 وما بعدها.
(3) حاشية الدسوقي جـ1 ص320.
(4) مغني المحتاج جـ1 ص225.
(5) كشاف القناع جـ1 ص414.
(6) جزء من حديث أخرجه مسلم في صحيحه/ كتاب: صلاة المسافرين وقصرها/ باب: استحباب صلاة النافلة في البيت.
(7) البدائع جـ1 ص282.
(8) متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه بعدة روايات/ كتاب: الكسوف/ باب: الصلاة في كسوف الشمس, أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الكسوف/ باب: ذكر النداء بصلاة الكسوف الصلاة جامعة.
(9) المغني جـ1 ص495.
(10) صلاة التراويح: التراويح جمع ترويحة، أي: ترويحة للنفس, أي: استراحة من الراحة, وهي زوال المشقة والتعب، سميت هذه الصلاة بصلاة التراويح؛ لأنهم كانوا يطيلون فيها, ويجلسون بعد كل أربع ركعات للاستراحة - المصباح المنير مادة (ر و ح) ، قواعد الفقه ص225، فتح القدير جـ1 ص333، حاشية العدوي جـ2 ص321.
وصلاة التراويح هي: قيام شهر رمضان، مثنى مثنى، على اختلاف بين الفقهاء في عدد ركعاتها، وفي غير ذلك من مسائلها.
أما حكمها: فقد اتفق الفقهاء على سنيتها, وهي عند الحنفية وبعض المالكية والحنابلة سنة مؤكدة, وهي سنة للرجال والنساء, وهي من أعلام الدين الظاهرة - يراجع تفصيل هذا في: الاختيار جـ1 ص68، رد المحتار جـ1 ص472، حاشية العدوي جـ1 ص352، حاشية الدسوقي جـ1 ص315، المجموع جـ4 ص30، 31، المغني جـ2 ص 165، كشاف القناع جـ1 ص107.
(11) حاشية ابن عابدين جـ1 ص473: 476.
(12) الشرح الكبير، حاشية الدسوقي جـ1 ص315، شرح الزرقاني على الموطأ مالك جـ1 ص283.
(13) سبق تخريجه.
(14) المجموع جـ3 ص528، شرح المحلي جـ1 ص217، 218، مغني المحتاج جـ1 ص226.
(15) أخرجه البخاري في صحيحه/ كتاب: صلاة التراويح/ باب: فضل من قام رمضان.
(16) كشاف القناع جـ1 ص425، المغني جـ2 ص196.
(17) أخرجه البخاري في صحيحه/ كتاب: صلاة التراويح/ باب: فضل من قام رمضان.
(18) حاشية ابن عابدين جـ1 ص371.
(19) مغني المحتاج جـ1 ص223.
(20) شرح منتهى الإرادات جـ1 ص224.