فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 66

المبحث الثاني

حكم الجماعة في صلاة الجمعة

ذكرت سابقًا اختلاف الفقهاء في حكم الجماعة في الصلوات المفروضة, أما صلاة الجمعة [1] فلا خلاف بينهم على وجوب الجماعة فيها. فقد اتفق أكثر الفقهاء [2] على وجوب صلاة الجمعة, فهي فرض عين على كل مكلف -غير أصحاب الأعذار- ويكفر جاحدها.

-دل على فرضية الجمعة: الكتاب، السنة، الإجماع.

(أ) الكتاب: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) [3] .

وجه الدلالة: أمرنا الله تعالى بمقتضى هذه الآية الكريمة بالسعي, والأمر يقتضي الوجوب, ولا يجب السعي إلا إلى واجب, ونهى سبحانه وتعالى عن البيع؛ لئلا يشتغل به عنها, فلو لم تكن واجبة لما نهى عن البيع من أجلها, فتحريم البيع دليل على وجوبها؛ لأن المستحب لا يحرم المباح [4] .

(ب) السنة: وردت أحاديث كثيرة تدل على وجوب صلاة الجمعة منها:

1 -عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نحن الآخرون ونحن السابقون يوم القيامة, بيد أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم, ثم هذا اليوم الذي كتبه الله علينا هدانا الله له, فالناس لنا فيه تبع, اليهود غدًا, والنصارى بعد غد» [5] .

وجه الدلالة: قوله عليه الصلاة والسلام: «هذا اليوم الذي كتبه الله علينا هدانا الله له» دال على وجوب الجمعة [6] , وذلك لأن المقصود بـ «اليوم» يوم الجمعة, وقد جاء منصوصًا عليه في روايات أخرى لهذا الحديث الشريف [7] , ومعنى «كتبه الله علينا» أي: فرضه وأوجبه.

(1) سميت الجمعة بذلك لاجتماع آدم وحواء بالأرض فيه, وقيل: لما جمع فيه من الخير, وقيل: لاجتماع الناس للصلاة فيه, وقيل غير ذلك - حاشية الصاوي جـ1 ص 165، مغني المحتاج جـ1 ص 276.

(2) البدائع جـ1 ص165، حاشية الصاوي جـ1 ص165، المجموع جـ4 ص348، المغني لابن قدامة جـ2 ص374. قلت: أكثر الفقهاء؛ لأن البعض قال: إنها من فروض الكفايات, ومنهم بعض علماء الشافعية, وهو غلط منهم وسببه غلط في فهم قول الشافعي -رضي الله عنه- من وجبت عليه الجمعة وجبت عليه صلاة العيدين؛ لأن مراد الشافعي هو: من خوطب بالجمعة وجوبًا خوطب بالعيدين متأكدًا, واتفق القاضي أبو الطيب وسائر من حكى هذا الوجه على غلط قائله. قال القاضي أبو إسحاق المروزي: لا يحل أن يحكى هذا عن الشافعي - المجموع جـ4 ص349. وعن مالك رواية شاذة: إنها سنة, والسبب في هذا الاختلاف: تشبيهها بصلاة العيد لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «إن هذا يوم جعله الله عيدًا» . بداية المجتهد جـ 1 ص188, ولا شك أنه استدلال ضعيف, فليس معنى تشبيه الجمعة بالعيد أنها تأخذ حكم صلاة العيد.

(3) سورة الجمعة من الآية 9.

(4) المغني لابن قدامة جـ2 ص374، أحكام القرآن لابن العربي جـ4 ص249, والسعي المراد في الآية الكريمة: الذهاب إليه لا الإسراع, فالإسراع بمعنى الجري والاشتداد أنكره الصحابة الأعلمون والفقهاء الأقدمون مما دعا بعض الصحابة ومنهم عمر، عبد الله بن مسعود إلى قراءة الآية بلفظ: «فامضوا إلى ذكر الله» . قال عبد الله: لو قرأت: «فاسعوا» لسعيت حتى يسقط ردائي, ولكن ما ذكروه تفسير منهم لا قراءة قرآن منزل، وجائز قراءة القرآن بالتفسير في معرض التفسير, فقد فعلوا ذلك فرارًا عن ظن الجري والاشتداد الذي يدل عليه الظاهر. وقد ورد في معنى السعي أقوال أخرى منها: أن المراد بالسعي النية, ومنها أن المراد العمل؛ كقوله تعالى: (مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) سورة الإسراء من الآية 19، يراجع تفصيل هذه الآراء في: أحكام القرآن للجصاص جـ3 ص665، أحكام القرآن لابن العربي جـ4 ص248 وما بعدها.

(5) حديث متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب: الجمعة/ باب: فرض الجمعة, أخرجه مسلم في صحيحه كتاب: الجمعة/ باب: التغليظ في ترك الجمعة واللفظ له.

(6) شرح النووي على صحيح مسلم جـ6 ص143، نيل الأوطار جـ3 ص224.

(7) تراجع روايات الحديث في صحيح مسلم / كتاب: الجمعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت