الجواب: يمكن أن يجاب على هذا الاعتراض: بعدم استقامة الجمع بين الفضل والإثم, فهذا أمر يخالف مقتضى العقل, فمن الممكن أن يجمع بين الصحة والإثم, وهذا معروف في كثير من الأحكام, أما إثبات الفضل والإثم فلا؛ لأن معنى الفضل الثابت في الأحاديث الشريفة الكمال, والكمال في حقيقته شيء زائد على الأجزاء, فكيف أقول على من يفعل الزائد في العبادة أنه آثم؟
ناهينا عن حديث أبي موسى السابق الدليل الرابع للقول الثاني « ... والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصليها ثم ينام» , فمقتضى أفعل التفضيل «أعظم» أن من صلى منفردًا له أجر عظيم, فكيف تجتمع عظمة الأجر مع الإثم؟! والله أعلم.
مناقشة أدلة الرأي الثالث القائل
بأن صلاة الجماعة فرض كفاية
اعترض على استدلالهم بحديث أبي الدرداء: «ما من ثلاثة في قرية ... » . الحديث. بأن هذا الحديث يدل على أن الجماعة غير مشترطة, ولا يلزم من الوجوب الاشتراط؛ كواجبات الحج, والإحداد في العدة [1] .
الجواب: يمكن أن يجاب عن هذا الاعتراض بأننا معكم في كون الجماعة ليست شرطًا في صحة الصلاة, ولكن إذا كان هذا هو المقصود من هذا الحديث فما فائدة تحديد البعض بوجوب صلاة الجماعة عليه لا الكل المتمثل في قوله عليه السلام «ما من ثلاثة» ؟ ففائدته في رأينا أن صلاة البعض جماعة تكفي عن صلاة البعض توجب الإثم على الكل, وهذا معنى كون الصلاة فرض كفاية, وهو ما قلنا به, والله أعلم.
الرأي الراجح:
الرأي الراجح هو: الرأي الثاني القائل بأن صلاة الجماعة سنة مؤكدة, وذلك لأن أدلة الرأي القائل بأن الجماعة سنة مؤكدة أدلة صحيحة, ومقتضى هذه الأدلة يوجب تأويل الأدلة القاضية بالوجوب على نحو ما سبق ذكره في الاعتراضات -وبتأويل الأدلة الدالة على الوجوب نكون قد جمعنا بين الأحاديث, وقد تقرر أن الجمع بين الأحاديث ما أمكن هو الواجب؛ لأن في تبقية الأحاديث المشعرة بالوجوب على ظاهرها من دون تأويل والتمسك بما يقتضيه به الظاهر إهدار للأدلة القاضية بعدم الوجوب, وهو لا يجوز.
ولذا فأعدل الأقوال وأقربها إلى الصواب -أن الجماعة من السنن المؤكدة, وفي المحافظة والمواظبة عليها ما أمكن خير ونفع كثير للمسلمين, وأما إنها فرض عين أو كفاية أو شرط لصحة الصلاة فلا [2] , والله أعلم.
(1) المغني لابن قدامة جـ 2 ص 241.
(2) نيل الأوطار للشوكاني - الذي هو شافعي المذهب- جـ 3 ص 128، 129.