فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 66

ثانيًا: مناقشة أدلة الرأي الثاني

القائل بأن صلاة الجماعة سنة مؤكدة

-اعترض على استدلالهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ ... » الحديث بروايتيه (رواية عبد الله بن عمر، رواية أبي سعيد الخدري السابقين) ، بالآتي:

الاعتراض الأول: إن دليلكم هذا لا يستلزم ثبوت الصحة والفضيلة بلا جماعة, وأكثر ما يستلزمه هو ثبوت صحة ما في البيت والسوق في الجملة بلا جماعة, ومما لا شك فيه أن هذا في حق من فاتته الجماعة.

وعلى هذا: فمعنى الحديث أن صلاة الجماعة أفضل من الصلاة في بيته فيما تصح فيه (أي: حين فوات الجماعة) , ولو كان مقتضى الحديث الصحة مطلقًا - في حق من فاتته صلاة الجماعة وممن لم تفته - بلا جماعة لم يدل على سنيتها؛ لأن الجماعة ليست من أفعال الصلاة, فيكون تركها مؤثمًا لا مفسدًا [1] .

الجواب: يمكن أن يجاب عن هذا الاعتراض بأن فحوى اعتراضكم هذا أن ثبوت صحة وفضيلة صلاة الفذ في حق من فاتته الصلاة, أي: أنكم قيدتم الحديث بقصركم الصحة والفضيلة في حق من فاتته الجماعة, فأين دليل هذا التقييد خاصة, وأن هذا الحديث الصحيح قد روي بعدة روايات, ولم يذكر في واحدة منها هذا القيد, ولو كان هذا هو مقصود الحديث لبينه لنا الرسول صلى الله عليه وسلم, ومعلوم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز, والله أعلم.

وأما قولكم: لو كان مقتضى الحديث الصحة مطلقًا بلا جماعة .. إلخ اعتراضكم فيمكن أن يجاب عنه بأنه لم يقل أحد: إن جعل الجماعة سنة مؤكدة يجعلها من أفعال الصلاة, بل هي خارجة عنها, ومقتضى عدم فعلها فوات فضيلة الجماعة, أي: لا يكون تارك الجماعة آثمًا, وبالطبع لا تكون صلاته فاسدة, والله أعلم.

الاعتراض الثاني: إن المفاضلة لا يمتنع أن تقع في الواجبات أنفسها, وعلى هذا فمعنى الحديث أن صلاة الجماعة في حق من فرضه صلاة الجماعة تفضل صلاة المنفرد في حق من سقط عنه وجوب صلاة الجماعة؛ لوجود عذر بتلك الدرجات المذكورة, وعلى هذا: فلا تعارض بين هذا الحديث والأحاديث الدالة على الوجوب, بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم» [2] , فالصلاة واجبة على الاثنين, ولكن صلاة القائم تفضل صلاة القاعد [3] .

الجواب: يجاب عن هذا الاعتراض بنفس الجواب عن الاعتراض السابق؛ لأنهم جعلوا المقصود بالمنفرد الذي سقطت عنه فريضة الجماعة, أي أنهم قيدوا الحديث بدون دليل على هذا القيد, كما أن هذا القيد جعل معنى الحديث بعيد, والله أعلم.

الاعتراض الثالث: إن هذا الحديث لا يدل على كون الجماعة سنة مؤكدة, وغاية ما فيه هو: أن صلاة المنفرد فضل مع الإثم؛ لأنه يلزم من ثبوت النسبة بينهما بجزم معلوم ثبوت الأجر فيهما، وإلا فلا نسبة ولا تقدير [4] .

(1) فتح القدير جـ ص 356.

(2) جزء من حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه/ كتاب: صلاة المسافرين وقصرها/ باب: جواز النافلة قائمًا وقاعدًا.

(3) بداية المجتهد جـ 1 ص 171.

(4) كشاف القناع جـ 1 ص 455.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت