اعترض على هذا الحديث بالاعتراضات التالية:
1 -يمكن حمل هذين الحديثين على أن هذا الأعمى كان لا يشق عليه التصرف بالمشي وحده ككثير من العميان, فلذا لم يرخص له بعدم الحضور؛ أي: أن النبي عليه السلام علم أنه يمشي بلا قائد لحذقه وذكائه, ويتأتى ذلك بكونه يعلم المكان قبل العمى, أو بتكرر المشي إليه استغنى عن القائد [1] .
2 -عدم ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثين لا يدل على أن حضور الجماعة فرض عين؛ لأن حضور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين, ومن جملة العذر العمى إذا لم يجد قائدًا دل على ذلك عدة أحاديث منها:
1 -حديث عتبان بن مالك, فقد رخص له النبي صلى الله عليه وسلم حين شكا بصره أن يصلي في بيته, وهو حديث صحيح [2] .
2 -حديث عبد الله بن عباس -وهو دليلكم الثالث-: «من سمع النداء فلم يأت, فلا صلاة له إلا من عذر» .
وعلى هذا: فيكون المراد من عدم الترخيص في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: لا رخصة لك تلحقك بفضيلة من حضرها, أي: أن السائل سأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل له رخصة في أن يصلي في بيته وتحصل له فضيلة الجماعة؟ فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بعدم الترخيص, فمن أراد أن يحصل فضيلة الجماعة, فلا بد له من حضورها [3] .
ومما يعضد ضرورة تأويل حديث الأعمى -برواياته المختلفة- وعدم أخذ عدم الترخيص على أصله قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ) [4] , فقد قررت الآية الكريمة رفع الحرج عن الأعمى, وفي أمر الأعمى بحضور الجماعة مع عدم القائد, ومع شكايته من الطريق, وما يلاقيه فيه غاية الحرج, ولا يقال: إن الآية وردت في الجهاد؛ لأنه تقرر في الأصول أن العبرة بعموم اللفظ, لا بخصوص السبب [5] .
3 -واعترض على الاستدلال بحديث أبي هريرة -الدليل الأول- والأعمى -الدليل الثاني- بروايتهما المختلفة: بأنهما لا دلالة فيهما على وجوب الجماعة, لا عينًا ولا كفاية؛ لأن دلالة هذه الأدلة أخص من الدعوى بأنها دالة على وجوب صلاة الجماعة في الصلوات المفروضة, فغاية ما في دلالتها وجوب حضور جماعته صلى الله عليه وسلم في مسجده لمن سمع النداء, وهو أخص من وجوب الجماعة، ولو كانت الجماعة واجبة مطلقًا لقال صلى الله عليه وسلم في المتخلفين أنهم لا يحضرون جماعته, ولا يجمعون في منازلهم, ولقال لعتبان بن مالك: انظر من يصلي معك, ولجاز الترخيص للأعمى بشرط أن يصلي في منزله جماعة, لكنه عليه السلام لم يقل أي من هذا, والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.
(1) فتح الباري جـ 2 ص 150، نيل الأوطار جـ 3 ص 126.
(2) متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه/ كتاب: الآذان باب: الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله بلفظ: عن محمود بن الربيع الأنصاري, أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه وهو أعمى, وأنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله, إنها تكون الظلمة والسيل, وأنا رجل ضرير البصر, فصل يا رسول الله في بيتي مكانًا أتخذه مصلى, فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: أين تحب أن أصلي, فأشار إلى مكان من البيت فصلى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم» . أخرجه مسلم في صحيحه كتاب: المساجد ومواضع الصلاة/ باب: الرخصة في التخلف عن الجماعة لعذر.
(3) المجموع جـ 4 ص 89، نيل الأوطار جـ 3 ص 125، 126، فتح القدير جـ 1 ص 354، عون المعبود جـ ص 527.
(4) سورة النور من الآية 61.
(5) نيل الأوطار جـ 3 ص 126، حاشية ابن عابدين جـ 2 ص 248.