فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 66

الاعتراض السادس: وهو للباجي ومن وافقه حيث قالوا: إن الخبر -الحديث- ورد مورد الزجر وحقيقته غير مرادة, وإنما المراد المبالغة, ويدل على ذلك وعيدهم بالتحريق, أي: العقوبة التي يعاقب بها الكفار, وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك.

أجيب عن هذا الاعتراض: إن منع عقوبة المسلمين بالتحريق وقع بعد نسخ التعذيب بالنار, وكان قبل ذلك جائزًا كما دل عليه حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره [1] ، فلا يمتنع حمل التهديد على حقيقته, ويكون هذا التوعد بالتحريق مخصصًا للمنع, فيجوز التحريق في عقوبة تارك الصلاة [2] .

الاعتراض السابع: إن هذا التهديد المذكور في الحديث الشريف لقوم تركوا الصلاة رأسًا لا مجرد صلاة الجماعة.

وأجيب عن هذا الاعتراض: بأن هذا الكلام ضعيف, فقد دلت روايات كثيرة على أنها صلاة الجماعة لا الصلاة المفروضة رأسًا, منها:

1 -رواية مسلم: «لا يشهدون الصلاة» [3] بمعنى: لا يحضرون.

2 -رواية عجلان عن أبي هريرة عن أحمد: «لا يشهدون العشاء في الجميع» [4] أي: في الجماعة.

3 -حديث أسامة بن زيد عن ابن ماجه مرفوعًا: «لينتهين رجالًا عن تركهم الجماعات أو لأحرقن بيوتهم» [5] فهذه الروايات صريحة في أن المقصود صلاة الجماعة.

الاعتراض الثامن: أن المراد بالتهديد: الحث على خلاف فعل المنافقين, والتحذير من التشبه بفعلهم, لا لخصوص ترك الجماعة, وعليه فلا يتم الدليل, وهذا الاعتراض قريب من اعتراض الباجي السابق.

الاعتراض التاسع: إن فريضة الجماعة كانت في أول الإسلام لأجل سد باب التخلف عن الصلاة على المنافقين, ثم نسخ.

ويقوى هذا الادعاء:

1 -نسخ الوعيد المذكور في الحديث, وهو التحريق بالنار.

2 -ثبوت نسخ ما يتضمنه التحريق من جواز العقوبة بالمال.

3 -يقوي النسخ أيضًا الأحاديث الواردة في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ [6] ؛ لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل, ومن لازم ذلك جواز صلاة الفذ [7] .

إلى غير ذلك من الاعتراضات, وقد وصف الإمام الصنعاني هذه الاعتراضات بقوله: وقد أطال القائلون بالسنية الكلام في الجوابات عن هذا الحديث بما لا يشفي [8] .

ثانيًا: مناقشة الدليل الثاني المتمثل في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى, فقال: يا رسول الله, إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد ... » . الحديث، رواية ابن أم مكتوم: «قلت: يا رسول الله, أنا ضرير .. » . الحديث.

(1) أخرج البخاري في صحيحه/ كتاب الجهاد والسير / باب: لا يعذب بعذاب الله ما نصه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بعثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعث فقال: إن وجدتم فلانًا وفلانًا فاحرقوهما بالنار ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أردنا الخروج: إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا, وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما» .

(2) المنتقي للباجي جـ ص، فتح الباري جـ2 ص147، شرح الزرقاني جـ1 ص 326، نيل الأوطار جـ3 ص124.

(3) صحيح مسلم/ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة/ باب: فضل صلاة الجماعة والتشديد في التخلف عنها.

(4) مسند أحمد.

(5) سنن ابن ماجه / كتاب: المساجد والجماعات/ باب: التغليظ في التخلف عن الجماعة.

(6) هذه أدلة من قال: إن الجماعة سنة مؤكدة وقد ذكرتها سابقًا ص.

(7) فتح الباري جـ2 ص 149، نيل الأوطار جـ3 ص124، شرح الزرقاني جـ1 ص326.

(8) سبل السلام جـ2 ص42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت