بعض الروايات بيان سبب الترك, وهو فيما رواه أحمد من طريق سعيد المقبري, عن أبي هريرة بلفظ: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ... » الحديث [1] .
ورد على هذا الجواب: لعله عليه السلام هم بالتحريق بالاجتهاد, ثم نزل وحي بالمنع منه, أو تغير الاجتهاد, وهذا تفريع على الصحيح في جواز الاجتهاد له صلى الله عليه وسلم [2] .
الاعتراض الرابع: لو كانت الجماعة فرض عين لقال عليه الصلاة والسلام حين توعد بالإحراق من تخلف عن الجماعة فصلاته باطلة غير مجزئة, وهو موضع «وقت» البيان, ولكنه عليه السلام لم يقل ذلك.
وقد أجاب عن هذا الاعتراض ابن دقيق العبد: بأن البيان قد يكون بالتنصيص, وقد يكون بالدلالة, فلما قال: صلى الله عليه وسلم: «لقد هممت» إلخ دل على وجوب الحضور, وهو كاف في البيان, وإذا دل الدليل على أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها غالبًا كان ذكره صلى الله عليه وسلم لهذا الهم دليلًا على وجوب الحضور, وهو دليل على الشرطية, فيكون هذا الهم دليلًا على لازمه, وهو وجوب الحضور, ووجوب الحضور دليلا على لازمه, وهو الاشتراط, فذكر هذا الهم بيان للاشتراط بهذه الوسيلة, ولا يشترط في البيان أن يكون نصًّا كما ذكر؛ لأنه لا يتم هذا إلا ببيان أن ما وجب في العبادة كان شرطًا, وقد قيل: إنه الغالب: ولما كان الوجوب قد ينفك عن الشرطية قيل بوجوب حضور صلاة الجماعة على الأعيان بدون شرطية [3] .
نخلص من كلام ابن القيم: أن هذا الحديث دل على وجوب حضور صلاة الجماعة عن طريق الدلالة لا النص, ووجوب الحضور دليل على الاشتراط, ولكن كون الوجوب دليل على الاشتراط هو في الغالب, أي: أن الوجوب قد ينفك عن الاشتراط, ولهذا كان الحضور واجب لكن ليس شرطًا في صحتها.
ووافق الزرقاني ابن القيم في هذا, أي: انفكاك الوجوب عن الشرطية [4] .
الاعتراض الخامس: أن المراد بالصلاة صلاة الجمعة لا باقي الصلوات.
وأجيب عن هذا الاعتراض: بأن هذا غير صحيح؛ لأن هناك أحاديث مصرحة بالعشاء والفجر -كما في الحديث الذي نحن بصدد الكلام عنه- ولا ينافي ذلك ما وقع عند مسلم من حديث ابن مسعود أنها الجمعة [5] لاحتمال تعدد الواقعة, خاصة وأنه قد وردت المعاقبة على كل واحدة على حدة مفسرة في كثير من الروايات, فقد ذكر بعضها العشاء فقط, وبعضها العشاء والفجر [6] والبعض الثالث الجمعة [7] فلا منافاة بين كل ذلك كما أشرنا [8] .
(1) أخرجه أحمد في مسنده.
(2) المجموع جـ4 ص88، شرح النووي على صحيح مسلم جـ5 ص153، فتح الباري جـ2 ص147، إحكام الأحكام جـ1 ص166، شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك جـ1 ص326.
(3) إحكام الأحكام جـ1 ص166، فتح الباري جـ2 ص147، نيل الأوطار جـ3 ص133.
(4) شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك جـ1 ص325.
(5) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب: المساجد ومواضع الصلاة/ باب: فضل صلاة الجماعة والتسديد في التخلف عنها.
(6) ذكر العشاء والفجر في بعض الروايات لا يقتضي تخصيص وجوب صلاة الجماعة لاحتمال كون المتوعدين لم يتخلفوا إلا عنهما, كما قد بين ذلك في كثير من الروايات. ولأن الحكمة في شرعية الجماعة تقتضي التعميم -والله أعلم- هامش فتح الباري جـ2 ص146، 150.
(7) يراجع نص هذه الأحاديث في صحيح مسلم الكتاب والباب السابقين / قال ابن دقيق العبد تعقيبًا على هذا الاعتراض: وهذا يحتاج إلى النظر في تلك الأحاديث. ونظر إلى هذه الأحاديث وتتبعها وتأملها جميعها -الحافظ في الفتح وذكرها جميعها وأفاض في ذلك جدًّا وانتهى إلى ما أشرنا إليه من أن حديث أبي هريرة - الذي نحن بصدد الحديث عنه- موافق لكثير من الروايات, أما حديث ابن مسعود الذي أخرجه مسلم الذي جزم بالجمعة فيه فهو حديث مستقل؛ لأن مخرجه مغاير لحديث أبي هريرة, ولا يقدح أحدهما في الآخر, فيحمل على أنهما واقعتان.
-يراجع تفصيل ما مضى في إحكام الأحكام جـ1 ص166، فتح الباري جـ2 ص149.
(8) نيل الأوطار جـ3 ص125.