فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 66

ثانيهما: متمثل في قوله: في تقدير كونه في المنافقين أن يقول القائل: هم النبي صلى الله عليه وسلم بالتحريق يدل على جوازه, وتركه التحريق يدل على جواز التحريق, وجواز تركه في حق هؤلاء القوم, وهذا المجموع لا يكون في المؤمنين فيما هو حق من حقوق الله تعالى.

وقد أيد الحافظ في الفتح أن هذا الحديث ورد في حق المنافقين, ولكن المقصود بالنفاق هنا نفاق المعصية, لا نفاق الكفر.

حيث قال: والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين واستدل على ذلك:

1 -برواية أبي هريرة السابقة: «إن أثقل صلاة على المنافقين» ... الحديث ولقوله عليه السلام «لو يعلم أحدهم» ... إلخ. وقال: إن هذا الوصف لائق بالمنافقين لا بالمؤمن الكامل, لكن المراد به نفاق المعصية لا نفاق الكفر, بدليل قوله عليه الصلاة والسلام في رواية عجلان: «لا يشهدون العشاء في الجميع» , وقوله في حديث أسامة: «لا يشهدون الجماعة» , وأصرح من ذلك قوله في رواية يزيد بن الأصم, عن أبي هريرة, عن أبي داود: «ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم ليست بهم علة» , فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق معصية لا كفر؛ لأن الكافر لا يصلي في بيته إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة, فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء.

يدل على ذلك أيضًا قوله عليه السلام في رواية المقبري: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية» يدل على أنهم لم يكونوا كفارًا؛ لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين طريقًا إلى الغلبة عليه لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته.

ثم أنهى الحافظ كلامه بقوله: وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق في الحديث نفاق الكفر, فلا يدل على عدم الوجوب؛ لأنه يتضمن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين, وقد نهينا عن التشبه بهم.

-نخلص من ذلك: أن ابن دقيق العبد والحافظ قد أيدا ورود هذا الحديث الشريف في حق المنافقين [1] .

الاعتراض الثاني: يحتمل أن يقال: التهديد بالتحريق بالمذكور يمكن أن يقع في حق تاركي فرض الكفاية لمشروعية قتال تاركي الكفاية.

وأجيب عن هذا: بأن هذا الكلام فيه نظر؛ لأن التحريق الذي قد يفض إلى القتل أخص من المقاتلة, ولأن المقاتلة إذا تمالأ الجميع على الترك [2] .

الاعتراض الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لقد هممت» دال على عدم الوجوب؛ لأن عليه السلام لم يحرق بالفعل, وإنما هم ثم تركه, ولو كانت الجماعة فرض عين لما تركه وعفى عنهم.

وأجيب عن هذا الاعتراض بجوابين:

الأول: أن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه, وليس فيه دليل على أنه لو فعل ذلك لم يتداركها في جماعة آخرين قبل التحريق أو بعده, فتركه عليه السلام لها حال التحريق لا يستلزم الترك مطلقًا.

الثاني: لو لم يجز التحريق لما هم به عليه السلام؛ لأن النبي عليه السلام لا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله, وأما الترك فلا يدل على عدم الوجوب لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك, وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه. وقد جاء في

(1) يراجع هذا الاعتراض والجواب عليه في: المجموع جـ4 ص88، شرح النووي على صحيح مسلم جـ5 ص153، فتح الباري جـ2 ص48، إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام جـ1 ص16، 165، نيل الأوطار جـ3 ص124.

(2) فتح الباري جـ2 ص147، نيل الأوطار جـ3 ص123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت