فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 66

(ب) مناقشة أدلتهم من السنة النبوية المطهرة:

1 -مناقشة الدليل الأول: متمثل فيما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: «والذي نفسي ببيده لقد هممت أن آمر بحطب ... » الحديث.

اعترض على هذا الاستدلال عدة اعتراضات وهي كالآتي:

الاعتراض الأول: إن هذا الحديث ورد في قوم منافقين يتخلفون عن الجماعة ولا يصلون فرادى, وسياق الحديث يقتضيه, فقد جاء فيه: «لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء» , وهذه ليست صفة المؤمنين, لا سيما أكابرهم وهم الصحابة, وإذا كانت في المنافقين كان التحريق للنفاق, لا لترك الجماعة, فلا يتم الدليل.

-ويشهد لهذا الاعتراض:

1 -إحدى روايات الحديث وهي: ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:: «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر, ولو يعلمون ما فيها لأتوهما ولو حبوًا, ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس, ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» [1] .

2 -الأثر الوارد عن سيدنا عبد الله بن مسعود: «لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف» [2] .

-وأجيب عن هذا الاعتراض:

بما قاله القاضي عياض -رحمه الله تعالى- باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة مع العلم بأنه لا صلاة لهم, كما أنه صلى الله عليه وسلم كان معرضًا عنهم وعن عقوبتهم مع علمه بطويتهم, وقال: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» .

-وقد تعقب ابن دقيق العيد هذا الجواب: بقوله: إن جوابكم هذا إنما يلزم إذا كان ترك معاقبة المنافقين واجبًا على النبي صلى الله عليه وسلم ولا دليل على ذلك, بلى إن ترك عقاب المنافقين وعقابهم كان مباحًا للنبي صلى الله عليه وسلم مخيرًا فيه, فعلى هذا لا يتعين أن يحمل هذا الكلام على المؤمنين, إذ يجوز أن يكون في المنافقين لجواز معاقبة النبي صلى الله عليه وسلم لهم, وليس في إعراضه عنهم بمجرده ما يدل على وجوب ذلك عليه, ولعل قوله صلى الله عليه وسلم عندما طلب منه قتل بعضهم: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» يشعر بما ذكرناه من التخيير؛ لأنه لو كان يجب عليه ترك قتلهم, لكان الجواب بذكر المانع الشرعي, وهو أنه لا يحل قتلهم.

ثم ذكر ابن دقيق بعد ذلك شاهدين يؤيدان هذا الاعتراض:

أولهما: الحديث السابق عن أبي هريرة.

(1) متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه / كتاب: الآذان/ باب: فضل العشاء في جماعة، أخرجه مسلم في صحيحه كتاب: المساجد / باب: فضل صلاة الجماعة والتشديد في التخلف عنها واللفظ له.

(2) جزء من أثر مطول أخرجه مسلم في صحيحه كتاب: المساجد ومواضع الصلاة/ باب: فضل صلاة الجماعة والتشديد في التخلف عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت