العموم [1] مما يعني أن الصلاة الأولى -الفريضة- إن صلاها منفردًا جازت, أي: أن صلاة الجماعة غير واجبة, وإلا لما جازت الأولى, ولما كانت الثانية نفلًا, ولأنكر عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلاه.
4 -ما ورد عن أبي موسى قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى, والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصلي ثم ينام» [2] .
وجه الدلالة: قوله صلى الله عليه وسلم: «من الذي يصلي ثم ينام» عام فيمن صلى وحده أو في جماعة, مما يعني أن من يصلي وحده له أجر, وهو أقل ممن صلى في جماعة؛ لقوله عليه السلام: «أعظم أجرًا» وهذا يعني بالضرورة جواز الصلاة فرادى, وعدم وجوب الجماعة.
(ب) استدلوا من المعقول بقولهم:
إن الجماعة في الصلوات المفروضة سنة وليست واجبة؛ لأنها لو كانت واجبة لكانت شرطًا لصحة الصلاة كالجمعة، وهي ليست كذلك [3] حتى عند من يقولون بوجوبها من الحنفية والشافعية والحنابلة [4] .
ثالثًا: أدلة أصحاب الرأي الثالث القائلون بأن الجماعة في الصلوات المفروضة فرض كفاية.
استدلوا بالمنقول من السنة النبوية المطهرة:
1 -ما ورد عن مالك بن الحويرث قال: قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم شببة [5] فلبثنا عنده نحوًا من عشرين ليلة, وكان النبي صلى الله عليه وسلم رحيمًا, فقال: «لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتموهم مروهم فليصلوا صلاة كذا في حين كذا, وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم, وليؤمكم أكبركم» [6] .
2 -عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو [7] لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ [8] عليهم الشيطان. فعليك بالجماعة فإنما يأخذ الذئب القاصية» [9] [10] .
وجه الدلالة: قوله عليه الصلاة والسلام: «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم ... » دليل واضح على أن الجماعة في الصلوات المفروضة فرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين, فلو كانت فرض عين لما قال عليه السلام «من ثلاثة» ولأطلق الأمر لجميع من في القرية أو البادية.
(1) نيل الأوطار جـ2 ص93، 128.
(2) الحديث متفق عليه فقد أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب: الآذان / باب: فضل صلاة الفجر في جماعة، أخرجه مسلم في صحيحه كتاب: المساجد ومواضع الصلاة / باب: فضل الصلاة المكتوبة في جماعة.
(3) المغني لابن قدامة جـ 2 ص240.
(4) يراجع: البدائع جـ1 ص114 وما بعدها، المغني جـ1 ص30، كشاف القناع جـ1 ص 455.
(5) شببة: بفتح المعجمة والموحدتين جمع شاب. لسان العرب مادة (ش ب ب) .
(6) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه / كتاب: الآذان / باب: إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم، -واللفظ له-، أخرجه مسلم في صحيحه / كتاب: المساجد ومواضع الصلاة / باب: من أحق بالإمامة.
(7) بدو: البادية.
(8) استحوذ: أصلها الحوذ, وهو الجمع وكل من ضم شيئًا إلى نفسه فقد حازه. مختار الصحاح مادة (ح و ز) والمعنى استولى وغلب، المجموع جـ4 ص84، عون المعبود جـ1 ص522.
(9) القاصية: الشاه البعيدة عن الأغنام لبعدها عن راعيها, أو هي: المنفردة عن القطيع البعيدة عنه, أي: أن الشيطان يتسلط على الخارج عن الجماعة وأهل السنة، عون المعبود جـ1 ص523.
(10) أخرجه أبو داود في سننه/ كتاب: الصلاة/ باب: في التشديد في ترك الجماعة, وسكت عنه, واللفظ له, وقال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح -المجموع جـ4 ص84، أخرجه الحاكم في المستدرك كتاب: الصلاة / باب: ما من ثلاثة في قرية ... فعليك بالجماعة. وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه, وأقره الذهبي.