2 -عن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة» [1] [2] .
وجه الدلالة من الحديثين: دل الحديثان الشريفان على أن الجماعة سنة مؤكدة, وذلك من عدة وجوه:
الوجه الأول: جعل الحديثين الشريفين الجماعة سببًا لإحراز الفضيلة, وهذا آية -علامة- السنن, أي: أن الجماعة سنة [3] .
الوجه الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ» دل على أن الصلاتين -الجماعة، الفرد- اشتركنا في الفضيلة, فلو كانت الفرادى غير مجزئه لما كانت لها فضيلة أصلًا [4] , وهذا يدل بجلاء على أن صلاة الجماعة سنة مؤكدة وليست واجبة.
الوجه الثالث: من المعلوم: أن المفاضلة تكون حقيقتها بين فاضلين جائزين, والمفاضلة هنا كانت بين صلاة الجماعة وصلاة الفذ, مما يعني أن كلتا الصلاتين جائز, وهذا دال بوضوح على سنية صلاة الجماعة [5] .
3 -عن يزيد بن الأسود قال: «شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضي صلاته انحرف فإذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا، فقال علي بهما, فجيء بهما ترعد فرائصهما [6] ، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله, إنا كنا قد صلينا في رحالنا [7] ، قال: فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم, فإنها لكما نافلة» [8] .
وجه الدلالة: قوله صلى الله عليه وسلم: «فإنها لكما نافلة» فيه تصريح بأن الثانية في الصلاة المعادة نافلة, وظاهره عدم الفرق بين أن تكون الأولى -الفريضة- جماعة أو فرادى؛ لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال تنزل منزلة
(1) الحديثان متفق عليهما أخرجهما البخاري في صحيحه كتاب الآذان/ باب: فضل صلاة الجماعة- واللفظ له- أخرجهما مسلم في صحيحه كتاب: المساجد ومواضع الصلاة/ باب: فضل صلاة الجماعة والتشديد في التخلف عنها وأخرجهما مالك في الموطأ: كتاب صلاة الجماعة/ باب: فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ.
(2) قال الترمذي: عامة من روى الحديث قالوا: خمسًا وعشرين، إلا ابن عمر قال: سبعة وعشرين، وله رواية فيها: خمسًا وعشرين, ووردت عدة أقوال للجمع بين الراويتين, وصفها الصنعائي بأنها أقوال تخمينية, ليس عليها نص, وأورد النووي ثلاثة منها, وقال: هذه هي الأجوبة المعتمدة وهي: 1 - أنه لا منافاة بينها, فذكر القليل لا ينفي الكثير, ومفهوم العدد باطل عند جمهور الأصوليين- 2 - أن يكون أخبر أولًا بالقليل وأعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر بها - 3 - أنه يختلف باختلاف المصلين والصلاة, فيكون لبعضهم خمس وعشرون ولبعضهم سبع وعشرون بحسب كمال الصلاة ومحافظته على, هيئتها وخشوعها وكثرة جماعتها وفضلهم وشرف البقعة ونحو ذلك, وقد رجح الشوكاني الوجه الأول؛ لدخول مفهوم الخمس تحت مفهوم السبع, وقد أفاض الحافظ في ذكر أوجه الجمع بين الروايتين, ورجح القول: بأن السبع مختصة بالجهرية والخمس بالسرية -يراجع تفصيل ما مضى في: سبل السلام جـ 2 ص 39, شرح النووي جـ 5 ص 151، نيل الأوطار جـ 3 ص 127، فتح الباري جـ 2 ص 154، 156.
(3) البدائع جـ 1 ص 155.
(4) سبل السلام جـ 2 ص 42.
(5) المجموع جـ4 ص 88، نيل الأوطار جـ 3 ص128، إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد جـ 1 ص 157 ط دار الكتب العلمية.
(6) فرائص: جمع فريصة بالصاد المهملة, وهي اللحمة بين الجنب والكتف التي لا تزال ترعد -أي: تتحرك- من الدابة, واستعير للإنسان؛ لأنه ليس فريصة, وهي ترجف عند الخوف. وسبب ارتعاد فرائصهما ما اجتمع في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الهيبة العظيمة والحرمة الجسيمة لكل من رآه مع كثرة تواضعه. -النهاية لابن الأثير مادة «فرص» ، نيل الأوطار جـ 3 ص93.
(7) رحالنا: جمع رحل بفتح الراء وسكون المهملة، هو المنزل, ويطلق على غيره, ولكن المراد هنا به المنزل، سبل السلام جـ2 ص45.
(8) أخرجه الترمذي في سننه كتاب: الصلاة / باب: ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة, وقال أبو عيسى: حديث حسن صحيح، أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الصلاة / باب: فيمن صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم.