وجه الدلالة: دل هذا الحديث برواياته المختلفة على أن الجماعة فرض عين, وذلك لدلالته الواضحة على أن من لم يصل في جماعة من غير عذر وصلى منفردًا كأنه لم يصل, أي: أن الجماعة فرض عين لكون ما عداها لاغ لا أثر له.
هذا من ناحية, ومن الناحية الأخرى: فإن الرخصة في التخلف عن الجماعة دليل على فرضيتها؛ لأن الرخصة لا تكون إلا عن واجب [1] .
(جـ) من الأثر:
1 -ما ورد عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: «لقد رأيتنا وما يتخلف عنها [2] إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين [3] حتى يقف في الصف» [4] .
وجه الدلالة: دل هذا الأثر على وجوب الجماعة في الصلوات الخمس, وإلا ما تحمل المريض المشقة, وتحمل غيره مشقة مساعدته.
2 -عن أبي الشعثاء قال: كنا قعودًا في المجلس مع أبي هريرة رضي الله عنه فأذن المؤذن, فقام رجل من المسجد يمشي, فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد, فقال أبو هريرة: «أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم» [5] .
وجه الدلالة: حكم سيدنا أبي هريرة على من ترك المسجد حين سماع الأذان -أي: ترك صلاة الجماعة- بعصيان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل على فرضية صلاة الجماعة.
رابعًا: توارث الأمة:
أما توارث الأمة: فلأن الأمة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا واظبت عليها, وعلى النكير على تاركها, والمواظبة على هذا الوجه دليل الوجوب [6] .
ثانيًا: أدلة أصحاب الرأي الثاني القائلون بأن الجماعة في الصلوات المفروضة سنة مؤكدة.
استدلوا بالمنقول من السنة النبوية المطهرة, وبالمعقول:
(أ) من السنة النبوية المطهرة:
1 -عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ [7] بسبع وعشرين درجة» .
(1) فتح الباري جـ 2 ص 150.
(2) عنها: يعني الصلوات الخمس المذكورة في أول الأثر.
(3) يهادى: أي: يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه يعتمد عليهما -شرح النووي جـ 5 ص 156، نيل الأوطار جـ 3 ص 126.
(4) هذا طرف من أثر طويل ذكره مسلم في صحيحه موقوف في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة/ باب: فضل صلاة الجماعة والتشديد في التخلف عنها.
(5) أخرجه مسلم في صحيحه من كتاب: المساجد ومواضع الصلاة/ باب: النهي عن الخروج من المسجد إذ أذن المؤذن.
(6) البدائع جـ 1 ص 155.
(7) الفذ: بالمعجمة أي: المنفرد, يقال: فذ الرجل من أصحابه إذا بقي منفردًا وحده -لسان العرب مادة «ف ذ ذ» ، فتح الباري جـ 2 ص 153.