فأحرق عليهم بيوتهم, والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا [1] سمينًا, أو مرماتين [2] حسنتين لشهد العشاء» [3] .
وجه الدلالة: قوله صلى الله عليه وسلم: «لقد هممت» إلى قوله عليه السلام: «فأحرق عليهم بيوتهم» فيه دليل قوي على وجوب الجماعة وجوبًا عينيًّا, فلو كانت وجوب كفاية لكانت قائمة بالرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه, ولو كانت سنة مؤكدة لم يهدد تاركها بالتحريق, فتارك السنة لا يستحق العقوبة, ولا عقوبة إلا على ترك واجب وفعل محرم, أي: أن مثل هذا الوعيد الشديد لا يلحق إلا بترك الواجب [4] .
2 -ما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه -قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى, فقال: يا رسول الله, إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له، فلما ولي دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ فقال: نعم، قال: فأجب [5] .
وفي رواية أخرى: عن عمرو بن أم مكتوم قال: قلت يا رسول الله, أنا ضرير البصر, شاسع الدار, ولي قائد لا يلائمني, فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: ما أجد لك رخصة [6] ، [7] .
وجه الدلالة: دل الحديثان الشريفان على أن الجماعة فرض عين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يرخص للأعمى الذي لم يجد قائدًا, فغير الأعمى أولى في عدم الترخيص [8] .
3 -عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم -قال: «من سمع النداء فلم يأته, فلا صلاة له إلا من عذر» [9] .
وفي رواية: عن أبي موسى, عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من سمع النداء فلم يجب من غير ضرر ولا عذر, فلا صلاة له» [10] .
وفي رواية ثالثة: نفس ما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- المذكور بزيادة: «قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض لم تقبل منه الصلاة التي صلى» [11] .
(1) العرق: بفتح العين المهملة وسكون الراء هو: العظم إذا كان عليه لحم -المعجم الوجيز مادة (ع ر ق) .
(2) مرماتين: تثنية مرماة بكسر الميم فراء ساكنة، وقد تفتح الميم، وهي ما بين ضلع الشاة من اللحم -سبل السلام ج 21 ص 40.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب: الآذان/ باب: وجوب صلاة الجماعة، واللفظ له، أخرجه مسلم في صحيحه/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة/ باب: فضل صلاة الجماعة والتشديد في التخلف عنها، أخرجه مالك في الموطأ: كتاب صلاة الجماعة/ باب: فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ.
(4) نيل الأوطار للشوكاني ط دار التراث جـ 3 ص 123، سبل السلام جـ 2 ص 40، ص 41، البدائع جـ 1 ص 155.
(5) أخرجه مسلم في صحيحه/ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة/ باب: فضل صلاة الجماعة والتشديد في التخلف عنها.
(6) أخرجه أبو داود في سننه كتاب: الصلاة/ باب: في التشديد في ترك الجماعة, وسكت عنه.
(7) إذا نظرنا في الحديثين وجدنا أن في الحديث الأول: «ليس لي قائد» , وفي الحديث الثاني: «ولي قائد لا يلائمني» ظاهرهما متناف ومتعارض إذا كان الأعمى المذكور في حديث أبي هريرة هو ابن أم مكتوم، ويجمع بينهما إما بتعدد الواقعة من ابن أم مكتوم, أو بأن المراد بالنفي في الرواية الأولى للقائد الملائم, والمراد بالمثبت لوجود القائد في الرواية الثانية الذي ليس بملائم -نيل الأوطار جـ 3 ص 125.
(8) نيل الأوطار جـ 3 ص 125، شرح النووي جـ 5 ص 155، سبل السلام جـ 2 ص 43، 44، المغني لابن قدامة جـ 2 ص 241، عون المعبود جـ 1 ص 527.
(9) رواه ابن ماجه في سننه/ كتاب: المساجد والجماعات: باب: التغليظ في التخلف عن الجماعة -واللفظ له، أخرجه الحاكم في المستدرك/ كتاب الصلاة/ باب: من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر, وقال: هذا حديث وقفه غندر وأكثر أصحاب شعبة, وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه, وأقره الذهبي, ثم ذكر الحاكم شواهد -روايات أخرى- لنفس الحديث.
(10) أخرجه الطبراني في الكبير من حديث أبي موسى, وقال الهيثمي: فيه قيس بن الربيع وثقه شعبه وسفيان الثوري، وضعفه جماعة -سبل السلام جـ 2 ص 44.
(11) أخرجه أبو داود في سننه/ كتاب: الصلاة / باب: في التشديد في ترك الجماعة. وقال المنذري: في إسناده أبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي، وهو ضعيف -عون المعبود جـ 1 ص 521 وللحديث شواهد.