الفصل الأول
حكم صلاة الجماعة
المبحث الأول: حكم الجماعة في الصلوات الخمس.
المبحث الثاني: حكم الجماعة في صلاة الجمعة.
المبحث الثالث: حكم الجماعة في صلاة التطوع.
المبحث الرابع: على من تجب الجماعة؟
المبحث الأول
حكم الجماعة في الصلوات الخمس [1]
إذا تتبعنا آراء الفقهاء في حكم الجماعة في الصلاة الفرض أو الصلوات الخمس, نجدها تنقسم إلى ثلاثة آراء:
الرأي الأول: وهو لعامة مشايخ الحنفية [2] ، ولبعض الشافعية الوجه الأول [3] ، والحنابلة [4] , فقالوا: إن الجماعة في الصلوات المفروضة واجبة وجوب عين, إلا لعذر, ولكنها ليست شرطًا لصحة الصلاة, بمعنى أن الشخص إن صلى منفردًا تجزئه, لكن مع الحرمة والإثم, ولا تجب عليه الإعادة [5] .
الرأي الثاني: وهو للكرخي من الحنفية [6] ، المالكية [7] ، وبعض الشافعية -الوجه الثاني- [8] وقالوا: إنها سنة مؤكدة.
الرأي الثالث: وهو لابن رشد وابن بشير من المالكية [9] , ولبعض الشافعية [10] -الوجه الثالث وهو الأصح المنصوص عليه, فقد ذكره الشافعي في كتاب الإمامة, وقالوا: إنها فرض كفاية.
الأثر المترتب على الخلاف:
على الرأي القائل: إن الجماعة فرض عين فإن تاركها يقاتل وإن أقامها غيره؛ لأن وجوبها على الأعيان, وصلاة الشخص منفردًا حرام [11] .
على الرأي القائل بأنها: فرض كفاية إن أقامها البعض سقط الإثم عن الباقين, وإن امتنع أهل بلد أو قرية من إقامتها قاتلهم الإمام, ولم يسقط عنهم الحرج إلا إذا أقاموها، بحيث يظهر هذا الشعار فيهم, ففي القرية الصغيرة يكفي إقامتها في موضع واحد، وفي البلدة والقرية الكبيرة يجب إقامتها في مواضع بحيث يظهر في المحال وغيرها [12] .
(1) احترازًا عن صلاة الجمعة والتطوع, وسيأتي بيانهما.
(2) البدائع جـ1 ص155، شرح فتح القدير جـ1 ص353، حاشية ابن عابدين جـ1 ص371, وأوضح أن المقصود من القول بأنها سنة مؤكدة الوجوب توفيقًا بين القول بالنية والقول بالوجوب.
(3) المجموع جـ4 ص 85، مغني المحتاج جـ1 ص229, والمقصود بالبعض: اثنان من كبار الشافعية المتمكنين في الفقه والحديث، وهما: أبو بكر ابن خزيمة, وابن المنذر.
(4) المغني لابن قدامة جـ2 ص240، 241، كشاف القناع جـ1 ص454.
(5) خالف ابن عقيل الحنابلة في كون الجماعة شرطًا لصحة الصلاة, وقال: إن الجماعة شرط في صحة الصلاة قياسًا على سائر واجبات الصلاة -ورد عليه جمهور الحنابلة بقولهم: إن هذا ليس بصحيح, فلم يرد في الأحاديث الدالة على الجماعة ما يفيد وجوب الإعادة. المغني جـ2 ص241.
(6) مراجع الحنفية السابقة. والجدير بالذكر أن الإمام الكاساني عقب على رأي الكرخي بأن الجماعة سنة مؤكدة بقوله: ليس هذا اختلافًا- إشارة منهم إلى رأي عامة الحنفية, ورأى الكرخي- في الحقيقة بل من حيث العبارة؛ لأن السنة المؤكدة والواجب سواء خصوصًا كما كان من شعائر الإسلام, ألا ترى الكرخي سماها سنة ثم فسرها بالواجب, فقال: الجماعة سنة لا يرخص لأحد التأخر عنها إلا لعذر, وهو تفسير الواجب عند العامة - البدائع جـ1 ص155، وكذا ذكر الإمام المرغياني أنها سنة مؤكدة, بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «الجماعة سنة من سنن الهدى لا يتخلف عنها إلا منافق» .
وعلق عليه الكمال بن الهمام بقوله: قوله -أي: في الهداية بأن الجماعة سنة- لا يطابق دليله الذي ذكره الدعوي, إذ مقتضاه الوجوب إلا العذر, إلا أن يريد ثبوتها بالسنة, وحاصل الخلاف في المسألة أنها فرض عين إلا من عذر - الهداية، شرح فتح القدير جـ1 ص353.
(7) الشرح الكبير، حاشية الدسوقي جـ1 ص319، 320، ط دار إحياء الكتب العربية، الشرح الصغير، حاشية الصاوي جـ1 ص142، ط دار الفكر.
(8) مراجع الشافعية السابقة. والبعض الذي قال بهذا منهم الشيخ أبو حامد.
(9) قالا: إنها فرض كفاية بالبلد, وسنة في كل مسجد, ومندوبة للرجل في خاصة نفسه, ولكن ظاهر قول المالكية: أنها سنة في البلد وفي كل مسجد وفي حق كل مصلي, وهذه طريقة الأكثر. حاشية الدسوقي جـ1 ص 319، 320.
(10) وهذا هو قول شيخي المذهب ابن سريج وأبي إسحاق وجمهور الشافعية المتقدمين, وصححه أكثر المصنفين. - المجموع جـ4 ص85.
(11) كشاف القناع جـ1 ص 455.
(12) المجموع جـ4 ص85.