إننا لا نستطع الجزم بالذي كان يتداعى في خاطره ويجول في خلده، ولكننا نستشعر من حاله أن تلك الذكريات كانت تتراءى له، وأنه كان على حال من التأثر وهو يَدِفُّ إلى الكعبة المشرفة، فإنه لما وصل الحجر استلمه وكبر ثم فاضت عيناه بالبكاء، ثم وضع شفتيه عليه فقبله وسجد عليه، وكان به حفيا، وكان موقفًا تسكب فيه العبرات.
طاف -صلى الله عليه وسلم- بالبيت سبعة أشواط، مضطبعًا بردائه، رمل في الأشواط الثلاثة الأولى، وحُفظ من دعائه بين الركنين"ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار".
فلما فرغ من طوافه مشى إلى مقام أبيه إبراهيم وهو يقرأ"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى"ثم صلى ركعتين قرأ في الأولى:"قل يا أيها الكافرون"وفي الثانية:"قل هو الله أحد".ثم عاد - صلى الله عليه وسلم- إلى الحجر فقبله، ومسحه بيديه ثم مسح بهما وجهه، ثم توجه إلى الصفا فصعده وهو يقرأ"إن الصفا والمروة من شعائر الله"، أبدأ بما بدأ الله به، حتى نظر إلى البيت فاستقبله ورفع يديه الشريفتين وهو يهتف: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، وصدق عبده،وهزم الأحزاب وحده، ودعا في مقامه ذلك ما شاء الله أن يدعو، ثم نزل فلما انصبت قدماه في بطن الوادي أسرع - صلى الله عليه وسلم- واشتد في السعي وهو يقول:لا يقطع الأبطح إلا شدًا، اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي،واشتد - صلى الله عليه وسلم - في السعي وهو الأيد القوي، حتى إن إزاره ليدور على ركبتيه من شدة السعي، وكان في الثالثة والستين من عمره المبارك.
فلما وصل إلى المروة رقيها واستقبل البيت وكبر وهلل ورفع يديه ودعا وصنع كما صنع على الصفا.