وهكذا انقضت ثلاثة أيام ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في منى التي شهدت فجاجها وشعابها دعوته الأولى قبل بضع عشرة سنة، يوم كان يغشى قبائل العرب في مواسمها، ويدخل عليها فجاج منى يدعوهم إلى الله، وقومه جُرءَاءُ عليه، يجاهرونه بالكفر، ويبادرونه بالعدوان، ويتعاقدون على القطيعة، يذكر هذا كله وفجاج منى تذكره بماضيها معه، وماضيه معها، يوم سرى في ظلمة الليل مواعدًا عصبة الأنصار، يتسللون إليه تسلل القَطا ليبايعهم على الهجرة، مستخفيًا من قومه أن ينذروا به، هل ذكَّرت منى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا وغيره ليقول لما سئل: أين تنزل غدًا يا رسول الله؟ قال: ( في خيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر) .
لقد اختار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خيف بني كنانة مكانًا لنزوله إذا خرج من منى؛ ليظهر جميل صنع الله وصدق موعوده، فهذا المكان هو الذي تعاقدت فيه قريش وحلفاؤها بنو كنانة على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب فلا يبايعوهم ولا يناكحوهم حتى يسلموا إليهم محمدًا، جهدًا منهم أن يطفئوا نور الله والله متم نوره ولو كره الكافرون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ثم ها هو محمد -صلى الله عليه وسلم- ينزل في ذات المكان وقد أظهره الله على الدين كله، ونصره وأعزه، وفتح له فتحًا مبينًا، وأكمل له الدين، وأتم عليه النعمة، ودخل الناس في دينه أفواجًا، وحج بالناس وبين لهم شرائع الدين، وأقام لهم مناسكهم، وقد نفر بعد إكمال المناسك فنزل في الموضع الذي تقاسمت فيه قريش على الظلم والعدوان والقطيعة مراغمة للشرك، وإعلانًا بالشكر لله على جميل صنعه ولطيف تدبيره.