ولأن عجب رافع بن عمرو من برد قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- فإننا نعجب من برد خلقه، وطيبه نفسه، إنها النفس الرضية والخلق العظيم أن يمضي -صلى الله عليه وسلم- في خطبته ويدع الغلام يمسح قدمه، ويدخل يده تحت شراك نعله وهو ماضٍ في شأنه معلمًا بحاله ومقاله.
فلما زالت الشمس توجه إلى الجمرات ماشيًا فبدأ بالصغرى فرماها بسبع حصيات يكبر الله مع كل حصاة ثم تقدم حتى أسهل ليبعد عن زحام الناس، فرفع يديه واستقبل القبلة ودعا وتضرع طويلًا، ثم قصد الجمرة الوسطى فرماها كما رمى الصغرى، ثم أخذ ذات الشمال واستقبل القبلة ورفع يديه داعيًا متضرعًا وأطال الوقوف، ثم رمى جمرة العقبة ولم يقف عندها.
وهكذا صنع في اليوم الثاني عشر والثالث عشر، وكان -صلى الله عليه وسلم- سمحًا في إقامة المناسك -وهو المبعوث بالحنفية السمحة-، ميسرًا للناس رفيقًاَ بهم، فمن ذلك أنه رخص للرعاة أن يرموا يوم النحر ثم يدعوا يومًا ثم يرموا من الغد، ورخص للعباس أن يبيت بمكة لأجل سقايته، ولم يحفظ عنه في حجته أنه أوجب دمًا على أحد برغم كثرة الجموع معه، وكونهم حدثاء عهد بالإسلام، يؤدون حجهم أول مرة، وإنما كان هجيراه للناس افعل ولا حرج، لا حرج لا حرج، قد أذهب الله عنكم الحرج، مصدقًا قول ربه:"وما جعل عليكم في الدين من حرج".