وبعد أن رمى -صلى الله عليه وسلم- يوم العيد ونحر وحلق نزع إحرامه ولبس ثيابه، وطيبته عائشة - رضي الله عنها- بأطيب ما تجد من الطيب، وضمخت بيديها رأسه الكريم مسكًا، ثم ركب- صلى الله عليه وسلم- إلى البيت مردفًا أسامة بن زيد، فلما وصل الكعبة طاف راكبًا يستلم الحجر بمحجن كان معه، فلما فرغ من طوافه ذهب إلى سقاية عمه العباس، حيث كان يسقي الناس النبذ فاستسقى من أوعيتهم التي يجعلون فيها سقاية الناس، فقال عمه العباس: (يا فضل اذهب إلى أمك) فأت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بشراب من عندها فأبى - صلى الله عليه وسلم- ذلك، وقال: (لا حاجة لي فيه، اسقوني مما يشرب منه الناس) قال يا رسول الله: إنهم يضعون أيديهم فيه، يشير إلى أن أيدي الناس تقع في هذه الأوعية الكبيرة، وأراد أن يسقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بشراب يخصه به، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم- أبى أن يكون له تميز في أمر السقاية، وأن يختص نفسه بما لا يشركه فيه غيره، حتى وإن كان شرابًا يؤثره به عمه، لذا أعاد عليه أخرى (اسقني) فسقاه عمه العباس مما يشرب منه الناس، فقال - صلى الله عليه وسلم- (أحسنتم وأجملتم، هكذا فاصنعوا) ، ثم أتى زمزم - وبنو عبد المطلب يسقون ويعملون فيها- فقال: (اعملوا فإنكم على عمل صالح) ، فنزعوا له دلوًا فشرب منها، ثم مجَّ فيها من فمه الطيب مجة، فأخذوها وأفرغوها في زمزم؛ حتى تعم بركة بقية شرابه ومجته من بعده، ثم قال لهم: (لولا أن تغلبوا عليها لنزعت بيدي، حتى أضع الحبل على هذه) وأشار إلى عاتقه، وذلك أنه لو نزع لصارت سنة يتبعه فيها الناس، ولغُلِبَ بنو العباس على سقايتهم التي كانت من مآثرهم قبل الإسلام، ولذا شرب من الدلو مع الناس، ولم ينزع مع بني عمه حتى لا يغلبوا عليها.