ثم دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بالحلاق ليحلق رأسه المقدس، فجاء معمر بن عبد الله ومعه الموسى، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في وجهه، ثم قال له ملاطفًا: (يا معمر، قد أمكنك رسول الله من شحمة أذنه وفي يدك الموسى) فقال معمر: والله يا رسول الله إن ذلك لمن نعم الله علي ومنه، فقال - صلى الله عليه وسلم-: (أجل) ثم قال له: خذ، -وأشار إلى جانبه الأيمن- فأطاف به أصحابه، ما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل، فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين، ثم قال للحلاق: خذ -وأشار إلى جانبه الأيسر- ثم قال: أين أبو طلحة؟ فجاء أبو طلحة، فدفع إليه شعر رأسه الأيسر كله، وكأنما استعاد - صلى الله عليه وسلم- عشر سنين قضاها في المدينة، وبيت أبي طلحة وزوجه أم سليم وربيبه أنس بن مالك، كأنما هو من بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم-، خدمةً لرسول الله، وعناية بشأنه وقربًا وحفاوة، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يختاره هذا اليوم على أهل هذا الموقف كلهم، فيعطيه شعر شق رأسه كله، ويناوله ما لم يناول أحدًا مثله، وينطلق أبو طلحة يحوز الشعر المقدس، وكأنما طلاع الأرض ذهبًا وفضة بين يديه - رضي الله عنه-.
ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- للمحلقين فقال: (اللهم ارحم المحلقين) قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: (اللهم ارحم المحلقين) ، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: (اللهم ارحم المحلقين) قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين. قال مالك بن ربيعة - رضي الله عنه-: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم- يقول ذلك وأنا -يومئذ- محلوق الرأس فما يسرني بحلق رأسي حمر النعم.