ولا تدري ممَّ تعْجَب في هذا المشهد، هل من تواضع النبي - صلى الله عليه وسلم- وقربه من الناس ودنوه منهم، حتى تجترئ عليه فتاة في هذا المشهد الحافل بهذا السؤال وهذه الحال، أم من تفهّم النبي - صلى الله عليه وسلم- لنوازع الشباب، وما جبلت عليه النفوس الفتية؟! فيسارع بالتأديب اللطيف الذي يجمع الرفق والمودة، ولا يستثيره تكرر المشهد إلى العنف أو الغلظة، أم من جرأة النبي - صلى الله عليه وسلم- على ابن عمه وقريبه دون المرأة؛ لأن الفضل يحتمل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ما لا تحتمله فتاة غريبة.
ثم وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم- للناس على ناقته العضباء بين الجمرات، وأطاف به أصحابه كأن على رؤوسهم الطير، فخطبهم خطبة عظيمة فتح الله لها أسماعهم حتى سمعوه في منازلهم، فقال:"ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم؛ ثلاثة متواليات؛ ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". ثم قال:"ألا أي يوم هذا؟"قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال:"أليس يوم النحر؟"قلنا: بلى. ثم قال:"أي شهر هذا؟"قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال:"أليس ذا الحجة؟"قلنا: بلى. ثم قال:"أي بلد هذا؟"قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال:"أليست البلدة؟"قلنا: بلى. قال:"فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي ظلال يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه".