الصفحة 15 من 30

وكان من عجاب هذا الموقف أن الذي كان يبلغ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- للناس، ويصرخ فيهم بمقاله هو (ربيعة بن أمية بن خلف) ! هذا الذي قتل أبوه في بدر هبرا بالسيوف، وهو يقاتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا ابنه يبلغ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويصرخ في الناس بكلماته ألا إنها أنوار النبوة وهدي الرسالة أطفأت ترات الجاهلية في القلوب التي كانت تتوارث الحقد، وتستعر فيها حرارة الثأر، فتبدلت وعادت خلقًا آخر لما هطلت عليها فيوض النبوة"فاهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج"، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم وقلوبهم التي بين جوانحهم"ذلك هدى الله يهدي به من يشاء".

فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من خطبته، فأذن بلال وأقيمت الصلاة، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الظهر والعصر قصرًا وجمعًا، ثم ركب راحلته ودفع إلى عمق عرفة ليقف عند ذيل الجبل عند الصخرات مستقبلًا القبلة رافعًا يديه داعيًا وملبيًا، وكان -صلى الله عليه وسلم- مع وقوفه في مقامه ذلك قائمًا بأمر الناس تعليمًا ورعاية وتوجيهًا ودلالة، يأتيه ناس من أهل نجد يسألونه عن الحج، فيقول لهم: الحج عرفة، ويخاطب الناس قائلًا: (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف) ، وأرسل للناس وهم في فجاج عرفة صارخًا يصرخ بهم: أن كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم، ويسقط رجل من أهل الموقف عن راحلته فتنفصم عنقه ويموت؛ رجلٌ من غمار الناس، لا نعرف اسمه ولا قبيلته ولا بلده، ولكن ربه الذي خلقه يعلم حاله وإليه مآله، فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم-"اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه طيبًا ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت