وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله"."
ثم أقبل -صلى الله عليه وسلم- على هذه الجموع يستشهدهم شهادة عظيمة، شهادة البلاغ والأداء ويقررهم بجواب السؤال إذا سئلوا يوم القيامة"فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين": أيها الناس، إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟
ألا ما أعظم السؤال! وما أعظم المقام! ثلاث وعشرون سنة قضاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بلاغ ودعوة، وصبر ومصابرة، وجهد وجهاد، أُخْرِجَ -في سبيل بلاغ رسالات الله- من بلده وهي أحب البلاد إليه، وقوتل في بدر، وأصيب في أحد، وحوصر في الخندق، وشد على بطنه حجرين من الجوع وصُدَّ عن البيت، وقُتِل أقاربه وأقرب الناس إليه بين يديه، كل ذلك بلاغًا للدين وأداءً للرسالة، ومع ذلك يسأل ويستشهد على بلاغه أمته، فأجابته هذه الجموع كلها بالجواب الذي لا يمكن أن تجيب بغيره، وشهدت بالشهادة التي لا يحق لها أن تشهد بسواها، نطقت هذه الجموع بفم واحد: نشهد أنك قد بلَّغت ونصحت وأديت الذي عليك، ورفع - صلى الله عليه وسلم- إصبعه الشريفة إلى السماء، وجعل ينكتها إلى الناس وهو يقول:"اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد".
ونحن اليوم بعد ألف وأربع مئة سنة نشهد للرسول - صلى الله عليه وسلم- بما شهد له به أصحابه، أنه قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركنا على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلى الله وسلم وبارك عليه..