ثم سار - صلى الله عليه وسلم - بمن معه حتى نزل بالأبطح شرق مكة وهو مكان فسيح واسع يشمل اليوم ما يسمى العدل والمعابده إلى الحجون، فنزل بالناس وأقام بهم أربعة أيام، يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء، وكان رفيقًا بالناس، ومن رفقه بهم أنه لم يذهب إلى المسجد الحرام والكعبة المشرفة خلال تلك المدة؛ لأنه لو ذهب لسارت معه هذه الجموع العظيمة، ولشق ذلك عليهم ولكن صلى بهم هناك في الأبطح، ، وكان - صلى الله عليه وسلم- قريبًا من الناس والناس قريبون منه، يهابه كل أحد ويدنو منه كل أحد؛ يسعهم بالخلق العظيم الذي جبله عليه ربه، فكان - صلى الله عليه وسلم- في قبة حمراء في الأبطح، فإذا توضأ لصلاته خرج بلال ببقية وضوئه فيفيضها على الناس، فمن أصاب منها شيئًا تمسح به، ومن لم يصب منها أصاب من بلل صاحبه، يبغون بركة رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ثم يخرج فيصلي بهم فحدث أبو جحيفة - رضي الله عنه- عن مشهد من مشاهده مع النبي - صلى الله عليه وسلم- أيامه تلك فقال: خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم- بالهاجرة وعليه حلة حمراء مشمرًا كأني أنظر إلى بريق ساقيه، فصلى بالناس ركعتين، فلما قضى صلاته قام الناس إليه فجعلوا يأخذون بيديه فيمسحون بها وجوههم، فأخذت بيده فوضعتها على وجهي فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب رائحةً من المسك.