الصفحة 44 من 97

وعندما وصل أهل مكة المدينة، ووجدوا الخندق، قال أبو سفيان: هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها. ووقف الأنصار يومها يقولون: سلمان منا، ووقف المهاجرون يقولون: بل سلمان منا، وعندها ناداهم الرسول قائلًا (سلمان منا آل البيت) .

ومما يحكى عن زهده أنه كان أميرًا على المدائن في خلافة الفاروق عمر، وكان عطاؤه من بيت المال خمسة آلاف دينار، لا ينال منه درهمًا واحدًا، ويتصدق به على الفقراء والمحتاجين، ويقول أشتري خوصًا بدرهم فأعمله، ثم أبيعه بثلاثة دراهم، فأعيد درهمًا فيه، وأنفق درهمًا على عيالي، وأتصدق بالثالث، لقب سلمان الفارسي بسلمان الخير أو الباحث عن الحقيقة، وكان إذا سئل مَنْ أنت؟ قال: أنا ابن الإسلام، من بني آدم، وقد اشتهر بكثرة العبادة، وكثرة مجالسته للنبي فلم يفارقه إلا لحاجة، وكان النبي (يحبه حبًًّا شديدًا، وسماه أبو هريرة صاحب الكتابين(يعني الإنجيل والفرقان) ، وسمَّاه علي بن أبي طالب لقمان الحكيم، وقد آخى النبي - صلى الله عليه وسلم- بينه وبين أبي الدر داء، وتوفي في خلافة عثمان بن عفان سنة 35هـ

* نعيم بن مسعود مفرق الأحزاب:

ولم يكن رأي سلمان هو الابتكار الأوحد في المعركة وإنما كان هناك إضافة ربما لا تقل عن الأولى أتت هذه المرة على يد مسلم لم يمض على إسلامه ساعات وهو نعيم بن مسعود الذي جاء إلى رسول الله وقال له: يا رسول الله إني أسملت ولم يعلم قومي بإسلامي فمرني بما شئت، فكانت العبقرية في القيادة والتصرف الفذ من نعيم .. فوجهه الرسول - صلى الله عليه وسلم- ألا يعلن إسلامه؛ فهو في المسلمين فرد لن يضيف شيئًا إذا انضم إلى صفوفهم المعلنة، وإنما عليه أن يخذل عنهم، فإنما الحرب خدعة أو كما قال له - صلى الله عليه وسلم- .. فانطلق نعيم بن مسعود كما هو معروف في السيرة، ووضع خطة متقنة لإفساد العلاقة التحالفية بين اليهود والمشركين وزرع بذور الشك والفرقة بينهم بحيث ينفض عقدهم وحلفهم ويفشل كيدهم وتدبيرهم ويرجع جمعهم دون إلحاق أي أذى بالمسلمين، وكل ذلك بدون استخدام سهم واحد، وإنما من خلال إعمال الفكر واستخدام العقل بأعلى درجات الفعالية والإبداع.

ودبت الشبهة من كلام نعيم في نفوس قريش وغطفان وأصبح اليهود لا يطمئنون إلى قريش وغطفان وقريش لا تطمئن إلى اليهود، وخذل الله بينهم، واختلفت كلمتهم وكانت العاقبة نصر الله لعباده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت