عنه. فقلت له: كم أنفقت في سفرك هذا؟.قال: لا أدري, لي أمناء ووكلاء. قلت: فما عذرك غدا إذا وقفت بين يدي الله تعالى فسألك عن ذلك؟ لكنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما حج قال لغلامه كم أنفقت في سفرنا هذا؟.قال: يا أمير المؤمنين ثمانية عشر دينارا. فقال: ويحك أجحفنا بيت مال المسلمين. وقد علمت ما حدثنا به منصور عن الأسود بن علقمة عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:\"ربّ متخوّض في مال الله ومال رسوله فيما شاءت نفسه له النار غدا\", فيقول أبو عبيد الكاتب: أمير المؤمنين يستقبل بمثل هذا؟.فيجيبه سفيان بقوة المؤمن وعزة المسلم: اسكت, إنما أهلك فرعون هامان. وفيات الأعيان 2/ 387.
قال الشاعر:
صبحت في أمة أوترت معظمها * * * بهيمة الله بين الذيب والنمر
تسدد الرأي معصوما فتنقضه * * * بطانة السوء مركوسا إلى الحفر
وقال آخر:
مازال بيننا ألوفٌ من بني سبأٍ* * * يؤذون أهل التقى بغيًا وعدوانا
ومازال لابن سلولٍ شيعةٌ كثروا * * * أضحى النفاق لهم وسمًا وعنوانا
لكن أخي لا تبتئس فالكون يملكه * * * ربٌ إذا قال كن .. في أمرهِ كانا
3 -علماء السلطة المنافقون:
وهناك علماء السلطة المنافقون الذين يضفون نوعًا من الشرعية الدينية على الحاكم الطاغوتي المستبد , فيحلون له الحرام ويحرمون له الحلال , قال تعالى: \"قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (60) سورة يونس."
بل ويساعدونه على التسلط والاستبداد بفتواهم التي لا يرعون فيها ذمة , ولا يصونون بها علمًا , مما يجعل الحاكم يستمد منهم وجوده وشرعيته , فينسون النصح له , لقول النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ِللهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِنَبِيِّهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَامَّتِهِمْ. أخرجه \"أحمد\"4/ 102 (17064) و\"مسلم\"1/ 53 (107) .
ولا يرون مقاومة ظلمه وجبروته , ويطوعون النصوص الدينية لخدمته فيلون أعناقها ويؤلونها حسب ما يراه ويعتقده , فيدعون أن طاعة الحاكم وإن كان طاغوتيًا ظالما واجبة ولا يجوز الخروج عليه , لقول الله تعالى:\"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا (59) سورة النساء."
ولا يذكرون اتفاق المفسرين على أن طاعة الله مطلقة وطاعة رسوله مطلقة، ولكن طاعة ولي الأمر مقيدة بالمعروف، ولذا لم تكرر الآية لفظ «وأطيعوا» عند ذكر أولى الأمر.
وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. أخرجه أحمد 1/ 82 (622) و\"البُخَارِي\"5/ 203 (4340) و\"مسلم\"6/ 15 (4793) .