فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 8

وأوفى عقلا من عمر بن عبد العزيز الذي قال عنه شَيْبَةُ بْنُ مُسَاوِرٍ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ يُحَدِّثُ زَمَانَ اسْتُخْلِفَ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: \"أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُرْسِلْ رَسُولًا بَعْدَ رَسُولِكُمْ، وَلَمْ يُنَزِّلْ بَعْدَ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا، فَمَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - فَهُوَ حَلَالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , أَلَا وَإِنِّي لَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ وَلَكِنِّي مُتَّبِعٌ , وَلَسْتُ بِقَاضٍ وَلَكِنِّي مَنَفِّذٌ , وَلَسْتُ بِخَيْرٍ مِن وَاحِدٍ مِنكُمْ , وَلَكِنِّي أَثْقَلُكُمْ حِمْلًا , أَلَا وَإِنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُطَاعَ فِي مَعَاصِي اللَّهِ أَلَا هَلْ أَسْمَعْتُ؟ أَلَا هَلْ أَسْمَعْتُ؟.السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 215."

وهذا ما يصوره له خياله المريض فيظن أنه الزعيم الملهم والقائد الموحى إليه , فيصاب بعد ذلك بمرض جنون العظمة , الذي يحوله من حاكم إلى طاغوت , فيتكبر ويتجبر ويتعالى على الحق , قام الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان يخطب من على المحراب في الناس قائلا: والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه. فوات الوفيات لابن شاكر (2/ 404) .

2 -بطانة السوء الفاسدة:

الصانع الثاني للحاكم الطاغوتي: بطانة السوء الفاسدة التي تزين له الشر , وتقلب له الحق باطلا والباطل حقا , ولقد نهانا الله تعالى عن موالاة بطانة السوء قال تعالى: \"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَالُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118) سورة آل عمران."

وأن نوالي من هم أولياء الطاغوت , قتال سبحانه: \"اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) سورة البقرة."

فمن سخط الله على الحاكم أن يجعل له بطانة فاسدة لا تأمره إلا بالشر والسوء , عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلاَّ لَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَامُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَامُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ. أخرجه أحمد 3/ 39 (11362) و\"البُخَارِي\"8/ 156 (6611) .

جاء في فتح الباري بشرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني (ج: 13، ص: 202) : البطانة: الدخلاء، جمع دخيل، وهو الذي يدخل على الرئيس في مكان خلوته، ويفضي إليه بسره، ويصدقه فيما يخبره به مما يخفى عليه من أمر رعيته، ويعمل بمقتضاه. وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي بشرح الترمذي (ج: 6، ص: 237) : \"إلا وله بطانتان \": البطانة: الصاحب، وهو الذي يُعرّفه الرجل أسراره ثقة به, شبهه ببطانة الثوب.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه. رواه أبو داود في:، (8/ 150) عون المعبود. قال الشارح: (والحديث سكت عنه المنذري) . ورواه النسائي 33، وأحمد (6/ 70) .

فبطانة الشر يستخفها الحاكم ولا يقرب غيرها , لأنها هي التي تواليه وتحابيه , قال تعالى عن قوم فرعون: \"فاستَخَفّ قومَهُ فأطاعوهُ إنهم كانوا قوما فاسقين \" (26) سورة الزخرف.

بل وهي التي تفسده وتضيعه , فيردد ما يقولون كما قال الشاعر في وصف أحدهم:

خليفة في قفص * * * بين وصيف وبغا

ليقول ما قالا له * * * كما تقول الببغا

قال الإمام سفيان الثوري: لما حج المهدي قال: لا بد لي من سفيان, فوضعوا لي الرصد حول البيت, فأخذوني بالليل. فلما مثلت بين يديه قال لي: لأي شيء لا تأتينا فنستشيرك في أمرنا؟ فما أمرتنا من شيء صرنا إليه وما نهيتنا عن شيء انتهينا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت