ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) سورة النساء , فالذي يحكم بغير ما أنزل الله، وهو يرى أن حكمه بغير ما أنزل الله أصلح للناس، وأنفع للناس، وأنه مساو لما أنزل الله، وأنه مخير بين أن يحكم بما أنزل الله، أو يحكم بغيره، أو أن الحكم بغير ما أنزل الله جائز، فهذا يعتبر طاغوتًا وهو كافر بالله عز وجل.
والمؤمن مطالب بمحاربة الطاغوت واجتناب كل ما يؤدي إلى عبادته أو الوقوع في شركه (بفتح الشين أو بكسرها) , قال تعالى: \"وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18) سورة الزمر."
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سعى على والديهِ ففي سبيل الله، ومن سعى على عياله ففي سبيل الله، ومن سعى على نفسه ليعفها فهو في سبيل الله، ومن سعى مكاثرًا ففي سبيل الطاغوت، وفي رواية: سبيل الشطيان). أخرجه البزار (1871 - الكشف) و أبو نعيم في \"الحلية \" (6/ 196 - 197) والأصبهاني في \"الترغيب و الترهيب \" (ق 47/ 2 - 48) قال الألباني في \"السلسلة الصحيحة \"5/ 272.
وإذا كانت الطاغوتية لها رؤوس خمسة كما أسلفنا , فإن هناك نوع من الطاغوتية في الحكم والسياسة حذر الدين الحنيف منها , وهي موضوعنا في هذه السطور , وهذه الطاغوتية صناعة يصنعها البشر ووسيلة يتخذونها لاستعباد الناس واسترقاقهم بعد أن جاء الإسلام لتحرير الإنسان من الرق والعبودية , ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ,وهناك جهات أربع تشترك في صناعة الطاغوت وهي:
1 -نفسه الأمارة بالسوء:
أول من يصنع الحاكم الطاغوتي نفسه الأمارة بالسوء , والتي تجعله يسير وراء هواه ويتخذه إلها ومعبودا , قال تعالى: \"أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) سورة الجاثية."
فيزل الحاكم على حكم العاطفة من غير تحكيم العقل أو الرجوع إلى شرع أو تقدير لعاقبة , فإذا ما تحدث تحدث عن هوى , وإذا ما قاتل قاتل عن عصبية ومصلحة , قال تعالى: \"الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76) سورة النساء."
فهو في حكمه يرى نفسه أعقل الناس وأذكاهم وأرجحهم رأيا وأوفرهم عقلا , فلا يصلح للحكم غيره , فهو المعصوم الذي لا يخطيء والمصان الذي لا يهان , وعلى الناس أن لا ترى إلا بعينه ولا تسمع إلا بأذنه , كما قال فرعون لقومه: \"قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) سورة غافر."
بل يرى نفسه أفضل من أبي بكر الذي حينما تولى الخلافة خطب في الناس قائلا: \"أَمّا بَعْدُ أَيّهَا النّاسُ فَإِنّي قَدْ وُلّيت عَلَيْكُمْ وَلَسْت بِخَيْرِكُمْ فَإِنْ أَحْسَنْت فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَات فَقَوّمُونِي، الصّدْقُ أَمَانَةٌ وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ وَالضّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيّ عِنْدِي حَتّى أُرِيحَ عَلَيْهِ حَقّهُ إنْ شَاءَ اللّهُ وَالْقَوِيّ فِيكُمْ ضَعِيفٌ عِنْدِي حَتّى آخُذَ الْحَقّ مِنْهُ إنْ شَاءَ اللّهُ لَا يَدَعُ قَوْمٌ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللّهِ إلّا ضَرَبَهُمْ اللّهُ بِالذّلّ وَلَا تَشِيعُ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطّ إلّا عَمّهُمْ اللّهُ بِالْبَلَاءِ أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِذَا عَصَيْت اللّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ. قُومُوا إلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمْكُمْ اللّهُ \". السهيلي: الروض الأنف 4/ 450.
وأفضل من عمر رضي الله عنه الذي وهو على المنبر يخضع لأمر الله تعالى , ويقول للمسلمين أمامه: إذا رأيتم مني اعوجاجًا فقوموني ولا يغضب حينما قال له رجل: يا أمير المؤمنين-ويشهر سيفه في المسجد- والله لو رأينا منك اعوجاجًا لقومناك بسيوفنا هذه. فيقول: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقومه بسيفه لو انحرف.
قال أبو يوسف في كتابه (الخراج ص19) : رُوي عن الحسن البصري أن رجلًا قال لعمر بن الخطاب اتق الله يا عمر وأكثر عليه فقال له قائل اسكت فقد أكثرت على أمير المؤمنين فقال له عمر \"دعه لا خير فيهم إن لم يقولوها ولا خير فينا إن لم نقبل."